الميكافيلية السياسية في السياسة الإيرانية تجاه سوريا

blogs إيران

مما لا شك فيه أن السياسة الخارجية لأي دولة لابدّ وأن تنطلق من خلفيّات مختلفة قد تتداخل فيها العديد من الأبعاد كالبعد الديني والبعد الاقتصادي والبعد البراغماتي أو غيرها من الأبعاد. وفي إطار العلاقة التي جمعت النظامين الإيراني والسوري حتى في الفترة التي سبقت اندلاع الثورة السورية، كانت هذا الأبعاد تتداخل مع بعضها البعض، وكان البعد الديني يحتل أهمية خاصة في هذه العلاقة، خاصةً وأن النظام السياسي في إيران هو نظام ثيوقراطي أسست له الثورة الإسلامية في إيران بشكلٍ واضح من خلال الدستور الإيراني، وما تمخض عنه من نظريات تدعم فكرة وأهمية البعد الديني في السياسة الخارجية كنظرية "أم القرى" ونظرية "الولي الفقيه" ونظرية "الشرق الإسلامي الأوسط" وغيرها.

ورغم أهمية البعد الديني في سياسة إيران تجاه سورية بشكلٍ عام، إلا أنه يجب التأكيد على أنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تفسير السياسة الخارجية لإيران تجاه سورية بالبعد الديني فقط، فهناك تداخل بين البعد الديني وغيره من الأبعاد. فالارتباط الوثيق الذي يجمع النظامين في إيران وسورية تحقق بفعل العلاقة الطويلة بين عائلة الأسد وإيران كما أنه تحقق بفعل المصالح السياسية التي تجمع الطرفين، لا بفعل التقارب الفكري أو العقائدي فحسب، فسورية من جهة تحتل أهمية جيوسياسية واستراتيجية كبيرة لإيران، فهي بالنسبة لها بوابة النفوذ والتأثير، ومن خلالها يمكن الوصول إلى منطقة البحر المتوسط، ومن جهة أخرى تعتبر سورية طريق مرور المال والسلاح والخبرات الفنية والعسكرية لحلفاء إيران في لبنان، وهذا ما يفسر الدعم الإيراني المتواصل لنظام الأسد منذ بداية الثورة في سورية.

الحفاظ على بشار الأسد ونظامه يعد حفاظاً على أمن إيران القومي بشقيه السياسي – العسكري، لذلك ربطت إيران سابقاً أي تسوية سياسيّة في سورية بتحقيق شروطها، والتي تمحورت بمجملها حول حماية مصالحها

فإيران تدرك أن مخاطر سقوط نظام الأسد عليها ستكون كبيرة وهذا صحيح، لأن هذا السقوط سيؤثر بلا شك في النفوذ الاستراتيجي الإيراني على الصعيد الإقليمي، وسيكون فاتحة لتراجع كبير على هذا الصعيد، وهذا ما عبّر عنه العديد من قادة الحرس الثوري الإيراني، الذين أكدوا مراراً وتكراراً بأن سورية تشكّل العمق الاستراتيجي لنظامهم الذي يعيش حلم الإمبراطورية الفارسية التي التقت مصالحها بمصالح المؤسسة الدينية الحاكمة، وهذا يثبت ما يخلج ويتوارد في صدور قادة نظام "ولاية الفقيه". لذا وضعت إيران كل ثقلها في دعم النظام السوري لمنعه من السقوط، لأن سقوط بشار الأسد ونظامه سيكون بداية لسقوط مشروعها الصفوي، باعتبار أن سورية تشكّل حجر الزاوية في هذا المشروع، بسبب موقعها الاستراتيجي الذي يطل على البحر المتوسط، وتشكيلها ممر آمن لعبور السلاح إلى حزب الله اللبناني كما أشرت سابقاً.

وبالتالي فإنّ سورية بموقعها المميز تشكّل حلقة مهمّة من حلقات السيطرة الإيرانيّة في المنطقة، والتي تربط العراق بلبنان وهما الدولتان التي تسيطر عليهما إيران من خلال حلفائها في هاتين الدولتين، ومن هنا تدرك إيران أنّ خسارتها سورية، سيؤدي إلى إضعاف حلفائها في العراق ولبنان، وربما سيؤدي ذلك إلى سقوطهم، لذلك تستميت إيران في الدفاع عن نظام بشار الأسد. ومن جهة أخرى تدرك إيران أنّ سقوط نظام الأسد ، والذي سيترتب عليه سقوط حلفائها في العراق و لبنان ، قد يقود مستقبلاً إلى تشكيل خطر على أمنها القومي باعتبار أنّ سورية ومعها العراق تشكلان خط الدفاع الأوّل عن إيران، وهذا ما كان قد صرّح به العديد من المسؤولين الإيرانيين، كعلي شمخاني رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني السابق الذي قال: "إنّ ايران تضحي بدمائها في العراق و سورية كي لا تضطر لمثل هذه التضحيات في طهران"، وأكده أيضاً العميد حسين حمداني القائد السابق لحرس الثوري الإيراني، بقوله: "إنّ حدود دفاع إيران أصبحت في جنوب لبنان، وأن بشار الأسد يخوض الحرب بالنيابة عنا".

إي أنّ الحفاظ على بشار الأسد ونظامه يعد حفاظاً على أمن إيران القومي بشقيه السياسي – العسكري، لذلك ربطت إيران سابقاً أي تسوية سياسيّة في سورية بتحقيق شروطها، والتي تمحورت بمجملها حول حماية مصالحها ومكتسباتها في سورية عبر مجموعة من الإجراءات، أهمّها تشكيل هيكل سياسي -عسكري طائفي (الطائفة العلوية وميليشياتها) على شاكلة حزب الله في لبنان، يكون ذراع لها في سورية، وقادر على حماية مصالحها ومكتسباتها.

ومن هنا، يمكن التأكيد أنه من الخطأ القول أنّ العامل الديني هو العامل الوحيد لمساندة إيران للنظام السوري، على الرغم من أنه أحد الأسباب القوية لذلك، وإنّما يمكن القول إن هناك أسباب عديدة يختلط فيها العقائدي بالسياسي في ميكيافيلية واضحة تعبّر عن مصالح متبادلة هدفها القضاء على الثورة السورية لإبقاء بشار الأسد ونظامه في السلطة لحماية المصالح والمكتسبات الإيرانية. فإيران في علاقتها مع النظام السوري تلعب لعبة ميكافيلية تضمن لها مصالحها حتى وإن كان الثمن المدفوع هو دم الشعبين السوري والإيراني. وبالتالي يمكن قياس العلاقة التي تجمع النظامين الإيراني والسوري من جوانب مصلحية براغماتية، إذ أن المصلحة الإيرانية في سورية وحساباتها أيضاً هي الطاغية على الموقف وليس المذهب فقط، وهذا لا يعني عدم وجود أطماع مذهبية مرافقة للمصلحة، على الرغم من الفوارق اللاهوتية بين الشيعة الاثني عشرية والنصيرية العلوية.