اللاجئون على حدود اليونان.. كرة لهب يتقاذفها الأوروبيون

blogs اللاجئين

تعرضت القارة الأوروبية خلال العقدين الماضيين لهزات سياسية واقتصادية واجتماعية نالت من تراثها الإنساني ومنظومة القيم التي ترتكز عليها الأنظمة السياسية الحالية منذ نشأتها، وتصدرت الميكافيلية السياسية البرامج الانتخابية والأجندات الحكومية في أوروبا، تدعمها الأزمات الداخلية وتلك القادمة من خلف الحدود، وتساندها حملات شيطنة ممنهجة ساهمت في صناعة المزاج الأوروبي العام وانحرافه نحو الشعبوية، فالمناخ السائد في أوروبا هو مناخ عدائي لكل ما هو خارجي تحرك مجتمعاته غريزة البقاء بعيداً عن المتغيرات في البنية الاجتماعية والحسابات الدولية المحيطة بالقارة.

إطلاق نار على الزوارق وإلقاء قنابل مسيلة للدموع على جموع اللاجئين وحالات اختناق ومطاردات في عرض البحر، مشاهد صادمة أجبرت المستوى السياسي في أوروبا على مناقشة ملف اللاجئين بعيداً عن صخب الصراخ بوجه تركيا، واتهامها بافتعال الأزمة الحالية للحصول على الأموال وتوريط الناتو بالحرب على نظام الأسد في إدلب، وأتاح الفرصة للقاء أردوغان في بروكسيل لمناقشة الحلول المطروحة أمامهم وتقديم الدعم العاجل، لكن السؤال الأهم في هذا التوقيت، لماذا أقفلت أوروبا حدودها؟

لم يستخلص الأوروبيون الدروس من تجربتهم المريرة مع قوافل اللاجئين الوافدة إلى بلدانهم منذ بداية الأزمة السورية، فسياسة النأي بالنفس عن مستنقعات الشرق الأوسط لا تستوي مع الواقع الجيوسياسي الذي يفرض نفسه على القارة ومستقبلها

تركيا المتهمة بافتعال الأزمة للضغط على الأوروبيين للحصول على المال وصاحبة الرقم القياسي في استضافة اللاجئين على أراضيها، كانت قد أبرمت إتفاقاً مع دول الاتحاد الأوروبي قبل نحو أربعة أعوام تستوعب بموجبه اللاجئين المتجهين نحو أوروبا ورعايتهم مقابل تقديم حزم مالية تقدم عبر صناديق الأمم المتحدة يبلغ مجموعها ستة مليارات دولار، إلا أن الدول الأوروبية أصمت آذانها عن المطالبات التركية لتسديد نفققات اللاجئين، أملاً في أن تتحمل تركيا الكلفة المالية والسياسية للإتفاق، وهو ما تم بالفعل.

وعلى الجهة المقابلة من الحدود التركية، لعبت اليونان دوراً خفياً في تأجيج الأزمة الحالية عبر إغلاق الحدود ومنع تدفق اللاجئين ومواجهتهم بالقوة، حيث تسعى اليونان المثقلة بالأزمات الاقتصادية للحصول على مساعدات مالية جديدة عبر تفعيل الفقرة الثالثة من المادة 73 لميثاق الاتحاد الأوروبي، والتي تنص على منح الدول الأعضاء في الإتحاد حزمة من المساعدات المالية في حال تدفق مواطني دولة ثالثة إلى أراضيها، وقد سبق للاتحاد الأوروبي وأن عمل بالفقرة المذكورة لصالح اليونان خلال أزمة اللاجئين الكبرى عام 2015، وهو ما تسعى لتكراره في الأزمة الحالية.

ينبغي النظر إلى الأزمة الحالية على أنها نتاج طبيعي للخلافات الأوروبية والانقسامات الحادة في المواقف حول اللاجئين، فهناك من يتعامل مع المسألة على أنها "أزمة" مؤجلة حان وقت إداراتها وحلها، وهناك معسكر اليمين الشعبوي الذي يضبط إيقاعه مع رؤية ترامب تجاه اللاجئين منذ عام 2015، فما رأينها قبل سنوات في المجر وعلى طريق البلقان ونراه اليوم في اليونان من إغلاق للحدود والتصدي لهجرة اللاجئين بالقوة يتطابق تماماً مع سلوك ترامب تجاه اللاجئين على الحدود الأمريكية المكسيكية، وهو ما تسبب بغياب موقف أوروبي موحد وظهور كتلتين على طرفي نقيض، كتلة تقودها ألمانيا تدعو إلى مسك العصا من المنتصف، فلا يدفن الأوروبيون رؤوسهم هرباً من الأزمة، ولا يميلون كل الميل في في مسألة توزيع اللاجئين، وكتلة تتبادل فيها كل من المجر واليونان الأدوار في إدارة الملف، تارة للضغط على تركيا وأردوغان، وتارة أخرى للضغط على دول الاتحاد الأوروبي لتحقيق مكاسب في ملفات أخرى.

يقاوم الأوروبيون حتى اللحظة جميع الحلول المطروحة على طاولة المفاوضات مع الأتراك لحل الأزمة، ويقومون عوضاً عن ذلك بتصدير أزمة مفتعلة عنوانها أردوغان، يجيش لها الصحافة والإعلام لكيل ما يحلو للرأي العام سماعه عن الرجل، وتسوق المواقف السياسية الداعية للوقوف مع اليونان ومواجهة ما يراد له أن يصور على أنه ابتزاز غير أخلاقي يمارسه أردوغان على دولهم لكسب المزيد من الوقت قبل التسليم بضرورة مواجهة القضية برمتها، والبحث عن مفاتيح حل الأزمة في واشنطن وموسكو وأنقرة، فمن دون واشنطن لا يمكن للأوروبيين والأتراك تجريد بوتين من ورقة إدلب التي يضغط بها على تركيا ودول الاتحاد الأوروبي -وهو ما يتجاهل فعله ترامب حتى اللحظة- لأسباب عسكرية واستراتيجية، ولا خيار أمامهم سوى إجراء مقايضات مرضية مع بوتين للقبول بالمنطقة الآمنة في إدلب بالتعاون مع تركيا.

لم يستخلص الأوروبيون الدروس من تجربتهم المريرة مع قوافل اللاجئين الوافدة إلى بلدانهم منذ بداية الأزمة السورية، فسياسة النأي بالنفس عن مستنقعات الشرق الأوسط لا تستوي مع الواقع الجيوسياسي الذي يفرض نفسه على القارة ومستقبلها، والتأرجح في المواقف بين ما هو مؤقت وبين ما هو جذري لا يمنحهم تذكرة عبور من عنق الزجاجة الذي يمرون به بسبب أزماتهم الداخلية، والتجرد من الأخلاق والقيم الإنسانية في التعامل مع قضية اللاجئين لا تبرره النوايا الحسنة تجاه المجتمعات الأوروبية ومستقبلها، فإدارة الأزمة مع أردوغان خير للأوروبيين من الرضوخ لبوتين ومقايضاته.