"بسبوسة بالقشطة".. هدية المعارضة المصرية للنظام فهل يفهمها؟

blogs فيلم بسبوسة بالقشطة

لم تكد قناة "مكملين" المعارضة للنظام الحاكم في مصر أن تعلن عن عرض خاص لفيلم "بسبوسة بالقشطة" في فبراير 2020، حتى انطلقت الأبواق الإعلامية للنظام في الهجوم على الفيلم وتشويهه. وبين الدعاية والهجوم وجدت حالة من الشغف لمشاهدة الفيلم الذي أثار جدلا أكبر بعد أن أصبح متاحا للجماهير والنقاد. فماذا نعرف عن قصة الفيلم وأحداثه؟ وكيف نقرأ ما به من رسائل معلنة وخفية؟ وما هي أهم إيجابيات الفيلم وسلبياته؟ ولماذا يمكن وصفه بهدية المعارضة للنظام الذي لم يتمكن من فهمها؟ يدور الفيلم حول ما أسماه صانعوه ب "العلاقة الإنسانية الجدلية بين السجين السياسي والسجان". والتي يكتشف السجان من خلالها أن هذا السجين السياسي ليس عدوا للوطن، بل شريك في حبه رغم الضغوط، ويدرك أن كلاهما يعانيان الظلم والألم بأوجه مختلفة مما يجعل التلاقي بينهما ممكنا.

 

وتتلخص أحداث الفيلم في العلاقة المشار إليها بين السجين "الممثل/هشام عبد الحميد" والسجان "الممثل/محمد شومان" والتي تبدأ بالنفور وتنتهي بالتعاطف. وبداية التعاطف من جانب السجين حين يعرض المساعدة في علاج ابن السجان الذي فشلت محاولات علاجه من خلال مستشفيات جهة عمل والده "وزارة الداخلية". الأمر الذي يقبله السجان ويؤتى ثمارا جيدة حيث يحظى ابن السجان بالرعاية الطبية المناسبة بواسطة أحد أصدقاء السجين. وبدوره يسهل السجان للسجين الاتصال بزوجته سواء عبر الهاتف، أو بتسريب رسائله المكتوبة لها. ويزيد تعاطف السجان مع السجين حين يعلم أنه معتقل منذ خمس سنوات دون اتهام، والفيلم حاصل على الجائزة البرونزية لأفضل سيناريو، والجائزة الماسية لأفضل فيلم قصير، وكلتاهما من المهرجان الأوروبي للأفلام المستقلة خريف 2019.

 

ومن إيجابيات فيلم "بسبوسة بالقشطة" القدرة على الاكتمال رغم محدودية الموارد المالية كما يقول صانعوه، وإلقاء الضوء على العلاقة الإنسانية غير المسيسة بين رموز النظام وخصومه المعتقلين. والتأكيد على ضرورة الحفاظ على التماسك بين أبناء الوطن الواحد في إطار من التسامح والتعايش دون استقطاب أو شيطنة، أما عن سلبيات الفيلم فتتعلق في معظمها بالتناقض الواضح متعدد الأشكال ومن أمثلة ذلك:

   

    

1- التناقض بين الصورة المقدمة والواقع المعاش

حيث يظهر الفيلم كلا من السجن وزنزانة الحبس الانفرادي بشكل أفضل كثيرا، بل يتناقض مع ما وثقته منظمات دولية عديدة من ظروف معيشة غير صحية ولا آدمية كانت سببا في مرض ووفاة معتقلين كثيرين، لا سيما النظافة والاتساع والإضاءة، وفي الوقت الذي يعانى فيه معتقلي الرأي من البرد الذي يستخدمه النظام كوسيلة عقاب، وفى الوقت الذي يندد فيه حقوقيون بتجريد السجناء السياسيين من ملابسهم إلا القليل وتعريضهم لبرد الشتاء القاتل، ترى السجين السياسي نزيل الحبس الانفرادي في الفيلم مرتديا ملابس شتوية لا تقل في سمكها عن ملابس ضابط السجن والسجان.

 

ومن جهة أخرى فإن الحوار بين الضابط والسجين ومحاولة إغرائه بالاعتراف بارتكاب جرائم يقول إنه برئ منها، وكذلك لغة الاستهزاء التي استخدمها السجين مع الضابط حين ادعى أن الحمام الزاجل هو من سرب شكواه المكتوبة خارج السجن، دون أن ينال السجين أي إيذاء بدنى. كل ذلك يتنافى مع ما هو ثابت وموثق من وقائع تعذيب وإهمال طبي وقضايا ملفقة وانتزاع اعترافات تحت التعذيب.

 

2- التناقض في بناء الشخصيات

يبدو جليا التناقض في شخصيتي الفيلم الرئيسيتين وهما السجين والسجان. فبالرغم من أن السجين يحمل درجة الدكتوراه في الفلسفة، ورغم ادعائه الدفاع عن المثل والقيم الإنسانية والتضحية في سبيلها، إلا أنه لا يتورع عن القيام بتصرف غير أخلاقي تمثل في استغلال السجان وخداعه عن غير علم ليتمكن من تسريب شكواه المكتوبة إلى الرأي العام من خلال زوجته. ولا يجد غضاضة في تعريض السجان للجزاء الوظيفي تحقيقا لمصلحته.

 

أما صياغة شخصية السجان فجاءت ضعيفة البنية. فالفيلم يقدم السجان كشخص محدود الدخل لا تستطيع زوجته إلا أن تطهو له البطاطس دائما دون لحم، ولا يملك المال الكافي لعلاج ابنه. لكن في مشهد آخر يكشف الفيلم أنه يمتلك قطعة أرض ورثها عن أمه، ومجوهرات تملكها الزوجة، وحصة يمتلكها في سيارة نقل جماعي للركاب "ميكروباص"، ويقدر ثمنهم مجتمعين بمبلغ مليون جنيه. وليس هذا بالمبلغ الهين، ناهيك عن الدخل الشهري لأمين شرطة لا سيما بعد الزيادات المتكررة للشرطة بعد الانقلاب العسكري عام 2013.

 

في ضوء كل هذه السلبيات وأوجه القصور في الفيلم، فإن قوى المعارضة المصرية بالخارج قد قدمت للنظام الحاكم هدية كان يمكنه أن يوظفها بسهولة لصالحه،

3- التناقض بين الرسالة والمضمون

يدعى صانعو الفيلم أنه إنساني لا سياسي، حيث يعلى من قيمة "العلاقة الإنسانية" التي دفعت كل من السجين والسجان إلى التعاطف والتقارب فيما بينهما، وكذا غيرت رؤية كلاهما للآخر كشركاء وطن لا أعداء. ويراهن الفيلم على مثل هذه العلاقة كعامل مهم في إنهاء الوضع السياسي المتأزم بمصر، واستبداله بحالة من التماسك يسودها التعايش وقبول الآخر، غير أن خداع السجين للسجان واستغلاله دون علم منه لتسريب رسالته المكتوبة للرأي العام عبر زوجته، ليشير إلى احتمال أن عرضه المساعدة في علاج ابن السجان في البداية لم يكن بالضرورة لأسباب إنسانية بحته، فربما كان ذلك فخا نصبه السجين للسجان حتى يتسنى له استغلاله لاحقا. ويجعل من استدراج السجان إلى علاقة منفعة وتبادل مصالح تفسيرا لا يقل منطقية عن الدافع الإنساني البحت الذي يحاول الفيلم إظهاره كحقيقة وحيدة.

 

كما أن إصرار السجان على طلب قرض من السجين بمبلغ 2 مليون جنيه لعلاج ابنه، ظنا منه أن بإمكان السجين تدبير المبلغ، ورغم عدم قدرة السجان على سداده إن حصل عليه. فإن الأمر يخرج من دائرة القرض إلى طلب صريح لرشوة، وينفى أن العلاقة بينهما إنسانية بحته، بل يؤكد أنها علاقة منفعة ونبادل مصالح، ويكشف الفيلم في النهاية عن قيام السجان باستدراج مساجين سياسيين آخرين للحصول على اعترافات مسجلة منهم بارتكاب جرائم. الأمر الذي يؤكد أنهم ليسوا مظلومين أو ضحايا للنظام. كما أن تردد السجان في فعل نفس الشيء مع السجين وامتناعه عنه بل وتحذير السجين منه لم يكن بالضرورة ناتجا عن تلك العلاقة الإنسانية المزعومة، بل الأرجح أنه كان انتقاما من وزارة الداخلية التي رفضت علاج ابنه حتى أصبح موته وشيكا.

 

4- غياب مصداقية الطرح

ومن أمثلة ذلك أن المشهد الأخير من الفيلم والذي يحاول اقناع المشاهد أن العلاقة الإنسانية المدعاة كانت الدافع وراء تلبية السجان لرغبة السجين في طبق صغير من البسبوسة بالقشطة، وكوب من الشاي المخلوط بالنعناع، وزجاجة ماء باردة. وهذا في الحقيقة ادعاء ساذج جدا في ضوء إخراج المشهد وموسيقاه التصويرية، فضلا عن عدم وجود زجاجة الماء التي تمناها السجين. وربما كان الأكثر منطقية أن هذا لم يكن أكثر من محاولة قتل بالتسميم، لا سيما في ضوء عدم وجود زجاجة الماء شفاف اللون الذي كان ليكشف أي مادة تخلط به على عكس اللون الداكن للبسبوسة والشاي، وكذلك في ظل تقديم هذه الاشياء للسجين بواسطة شخص تم تغييبه عن المشهد فلم يرى.

 

الخلاصة أنه في ضوء كل هذه السلبيات وأوجه القصور في الفيلم، فإن قوى المعارضة المصرية بالخارج قد قدمت للنظام الحاكم هدية كان يمكنه أن يوظفها بسهولة لصالحه، وأن يدحض بها العديد من الاتهامات الموجهة إليه. وفى تصوري أن النظام الحاكم في مصر كان ليستفيد كثيرا إن تريث في الهجوم على الفيلم، وإن تخلى عن إقحام العقلية العسكرية في إدارة كل شيء، وإن أسند الأمر للمتخصصين. والأهم أنه ربما أدرك الرسائل الخفية وراء مثل هذا العمل. فوفقا للفيلم وفى ضوء ما تقدم من رؤية نقدية لا يمكن استبعاد أن الفيلم برمته لا يعدو مغازلة من قوى المعارضة بالخارج للنظام الحاكم في مصر، أو مبادرة سياسية في غلاف فني إنساني، ودعوة غير مشروطة للتواصل والحوار تقدمها قوى المعارضة المصرية لعلها تنجح فيما فشلت فيه حتى الآن.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة