التبعات الأولية لفيروس كورونا على الاقتصاد الإيراني الداخلي

خلال الأيام القليلة الماضية، تداولت العديد من وسائل الإعلام العربية والعالمية موضوع تفشي فيروس كورونا في داخل إيران، ووصول عدد الضحايا في آخر إحصائية بخمسين قتيل في مدينة قم لوحدها، الدول المجاورة لإيران، بما في ذلك العراق والكويت وأفغانستان وتركيا وأذربيجان أعلنت إغلاق حدودها مع إيران.

 

لكن ما لم تتطرق له أغلب وسائل الإعلام، هو أن موضوع تفشي هذا المرض الخبيث كان منتشراً وشائعاً في الداخل الإيراني وعلى منصات التواصل الاجتماعي الإيرانية قبل وصوله للإعلام العالمي، الأمر الذي ترك آثاراً سلبية ضخمة على الاقتصاد الإيراني الداخلي، الذي يعاني في الأساس من مشاكل التضخم والغلاء والركود والأزمات الاقتصادية.

 

أقسام وأجزاء الاقتصاد الإيراني الداخلي المخصصة للاستخدام العام، كالمطاعم والمقاهي والكافتريات وغيرها من المرافق العامة، تلقت الضربات الأولى لهذا الفيروس الخبيث، وفقاً لإحصائيات البنك المركزي الإيراني تحتل المطاعم والكافتريات الإيرانية مكانة جيدة في الناتج الاقتصادي العام لإيران، حيث تصل مبيعاتها السنوية لحوالي ملياري دولار، ونظراً لأن ثقافة المطاعم رائجة بقوة في عرف وثقافة المجتمع الإيراني كنوع من الترفيه، يمكن تصور خطورة الأضرار الجسمية التي لحقت بهذه الفئة من الاقتصاد الإيراني الداخلي.

  

من ناحية أخرى، هناك المقاهي التقليدية المنتشرة قبل انتصار الثورة في إيران، بالإضافة لكافتريات ومقاهي النرجيلة (الأركيلة) التي انتشرت مؤخراً بكثرة، ويرتادها نسبة كبيرة من الشبان الإيرانيين، والكافتريات والمطاعم التي أصبحت تقدم النرجيلة ضمن قوائمها بهدف كسب المزيد من المال، جميعها تلقت ضربات موجعة من فيروس كورونا، في طهران العاصمة فقط، هناك أكثر من ثلاث آلاف مقهى توفر فرص عمل لأكثر من ٣٥ ألف شخص، أما المقاهي غير المصرح لها بالعمل، فيصل عددها لعشرة أضعاف هذا العدد في كل أنحاء البلاد، وفقاً لتقرير موقع عصر إيران، في ١٣ يناير ٢٠١٩، ارتفع عدد مدخني النرجيلة في إيران لخمسة أضعاف، ووصل معدل الانفاق اليومي للمعسَّل لأكثر من مليوني دولار، فإذا اعتبرنا أن خمس هذا العدد ينفقه الإيرانيون في المرافق والأماكن العامة، يمكن تخيل الضرر الاقتصادي الكبير الذي ألحقه هذا الفيروس بالاقتصاد الداخلي.

    

  

المرافق العامة الأخرى التي تلقت ضربة موجعة في إيران هي السينمات والمسارح التي يرتادها قرابة ٢٨ مليون إيراني في كل عام، وبالتأكيد ستعاني الصناعة السينمائية والمسرحية من خسائر ضخمة نتيجة انتشار هذا الفيروس الخطير، إن تفشي مثل هذا الفيروس المميت بنسب خطيرة داخل بلد كبير المساحة مثل إيران، لن يترك آثاراً اقتصادية سلبية على المطاعم والمقاهي والسينمات والمسارح فقط، بل سيؤدي حتماً إلى تجميد كل رحلات السفر الداخلية والخارجية على حد سواء، وفقاً لتقرير موقع جمدان الإيراني، فإن ٥٥ في المائة من العوائل الإيرانية تقوم برحلات سفرية ترفيهية داخل إيران في كل عام. لكن هذه الأرقام لا تعطينا صورة كاملة للواقع، خاصة في مدينة شديدة الازدحام كطهران العاصمة، التي تشهد يومياً ٢٠ مليون رحلة سفرية، ١٢ مليون رحلة منها يتم بوساطة وسائل النقل العامة.

  

فإذا أخذنا بعين الاعتبار فقط عدد الرحلات اليومية التي تتم بوساطة وسائل النقل العامة في جميع أنحاء البلاد، يمكن تخيل حجم انخفاض هذه الرحلات، وتأثيرها السلبي على الاقتصاد الداخلي العام لإيران، دعونا لا ننسى أن إيران مقبلة في شهر آذار القادم على أعطال عيد النوروز، الذي يشكل فرصة لكل الإيرانيين للخروج والتنزه والقيام برحلات ترفيهية، لكن مع خبر انتشار هذا الفيروس المميت داخل البلاد، يمكن تخيل أي عيد سيكون بانتظار الإيرانيين!

  

أما بالنسبة لموضوع الرحلات الخارجية، فسيلعب فيروس كورونا دوراً خطيراً في ضرب السياحة الإيرانية، وخفض معدل الرحلات الخارجية للإيرانيين بشكل عام، وفقاً لتقرير موقع ايسنا الإيراني، قال ولي تيموري نائب وزير السياحة الإيراني: "بلغ عدد السياح الأجانب الذين زاروا إيران في الأشهر الستة الأولى من عام ٢٠١٩ خمسة ملايين. خلال نفس الفترة، سافر حوالي ٤ ملايين و٢٦٠ ألف شخص إلى خارج إيران" وفي شهر أبريل ٢٠١٨، كشفت صحيفة إيران ديلي، أن أكثر من أربعة ملايين زائر إيراني يسافرون سنوياً إلى العراق، في حين أن أكثر من مليوني سائح عراقي يسافرون الى إيران في كل عام.

  

بعد العراق، تأتي كل من تركيا والإمارات العربية المتحدة وأذربيجان وجورجيا وألمانيا وقطر والمملكة العربية السعودية والصين، كأكثر الدول التي يرغب الإيرانيون بالسفر إليها، لكن نظراً للقيود التي تم الإعلان عنها مؤخراً على دخول الرعايا الإيرانيين والرحلات الجوية، يمكن تخيل مقدار الضرر الضخم الذي سيلحق بالسياحة والاقتصاد الإيراني بشكل عام.

    

خلاصة القول:

مما لا شك فيه أن انتشار فيروس كورونا في إيران سيؤثر على أجزاء أخرى من الاقتصاد الإيراني مثل التجارة الخارجية، وقطاع الصحة والتعليم، والخدمات المصرفية، ونظام توزيع البضائع، لكن تقليل هذه الخسائر يعتمد بشكل مباشر على خطط الحكومة وبرامجها للسيطرة على تفشي هذا الفيروس القاتل، وفي حال لم تقم الحكومة الإيرانية بفرض برامج وخطط فعالة للسيطرة على هذا الفيروس واحتوائه، سيتجه الاقتصاد الإيراني المتأزم نحو الانكماش أكثر فأكثر، وستطبق جميع البلدان الأخرى قوانين أكثر صرامة من جميع تعاملاتها مع إيران، مما سيزيد من سوء وازدراء الوضع الاقتصادي أكثر مما هو عليه الآن.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة