حروق إسراء وخارطة البيت والوطن

يُصبح طريق العودةِ إلى البيت، محفوف بمخاطرَ جمة تتغيرُ خارطة السعادةِ بها، وبدلاً من تلتقي زوجها وطفلها الوحيد "معتصم" تواجه قدرها مع إدارة مصلحةِ السجون الإسرائيلية، والتهمة شراؤها لجهاز تلفاز وأنبوبة غاز وقيادتها لسيارتها في طريقها إلى بيتها، فجأة تنفجرُ الأنبوبة، تطلبُ النجدة من جيشٍ لا يعرفُ للنجدةِ سبيل، يشتبه بها بأنها إرهابية، فيعتقلها وهي مصابة بحروقٍ شديدةٍ في وجهها وظهرها، لا يكتفي باعتقالها بل يُعرضها لتحقيقٍ قاسٍ تغيبُ فيها ملامح الإنسانية، في ظلِ توقفِ زوجها عن دعمها مجبرًا لتعرضه لحادثِ سيرٍ أقعده على كرسيٍ متحركٍ، ليصبح هو في أمس الحاجةِ لمن يدعمه، ويدعم طفله الذي تعهدته جدته وخالاته بالرعاية.

  

هي إسراء الجعابيص ابنة القدس المحتلة، تبدو وطفلها وزوجها قصة مكتملة الجريمة والأبعاد، مكتملة الغدرِ من قبلِ المحتل الإسرائيلي، الذي مازال يُنكل بالأم المحروقة، ويُحاول أن يسوقها وهي المستضعفة على أنها مجرمة وقاتلة وإرهابية، لتبقى هي على ضعفها قويةً في مواجهةِ زيف الاحتلال وتعتيمه، تعتيمه الذي تدحضه حروق وجهها التي تعطيها ضوءًا وجاذبيةً وسموًا يعلو على مساحيق التجميل، وعلى كل المروجين لنصرةِ المرأة ومنحها لحقوقها بينما هم عاجزون حتى اللحظة عن نصرةِ جعابيص وإعطائها ولو الحد الضئيل من حقوقها المسلوبة.

 

السجنُ نارٌ تحرقُ السجان، وتدفئ المسجون المظلوم الواثق بأنَ ما بعد السجن إلا الفرج وما بعد الحروق إلا الشروق وما بعد الليل إلا الشمس

أرادَ الاحتلال الإسرائيلي باعتقاله لإسراء أن يضغط على المقاومةِ الفلسطينية لاستفزازها فها هو يعتقلُ حرةً تلو أخرى، لاسيما وأن نشره لصورها وهي مستضعفة ومحروقة، يُعطي مؤشرًا على ضعفِ الحراك الشعبي وحتى الرسمي في التعاطي مع قضية الأسرى، وهو ما سعى إليه المحتل الذي أمعنّ في تشويه صورةِ إسراء، تشويهٌ لم يزدها إلا طهارة وجرأة ومسئولية، بل لم يزدها إلا تمسكًا بحقها في احتضان طفلها المعتصم الذي يحنُ لجيشِ صلاح الدين الأيوبي الذي يحررُ الإنسان قبل أن يُحررَ الأوطان والمقدسات.

   

في قصة إسراء جعابيص ثورةٌ بركانية، تُلخصها تجاعيدُ وجهها الشاب في حقيقته فهي لم تتجاوز منتصف عقدها الثالث، بيدَ أن وجهها مجعد بكل أشكال العذاب لبشاعةِ تعذيبِ وتنكيل إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية، التي ما انفكتْ تتباهى باعتقالها للنساء الفلسطينيات، كورقة ابتزاز تظنُ أنها رابحة في استمالةِ المفاوض الفلسطيني في أي صفقة تبادلٍ قادمة، بيدّ أن صفقة وفاء الأحرار علمتْ الاحتلال من حيثُ لم يعلم بأن الإفراج عن النساء وأولهن جعابيص شرط أساسي للموافقة على إبرام وتنفيذ أي صفقةٍ قادمة، فأي صفقة لا تضمن الإفراج عن الأسيرات هي صفقة منقوصة، ذلك يتطلبُ البحثَ عن وسائل لنصرةِ جعابيص التي يسعى الاحتلال لتنفيرِ العالم والمتعاطفين معها بتشويه ووجهها عبر الحروق، وما علِم بأن حروق وجهها هي شامةُ نصر ومؤشرٍ على شروق فجر الحرية المنتظر، بل الذي أوشك أن يطل في ظل مراوغة المقاومة الفلسطينية التي أبدعتْ في تصفية حساباتها مع المحتل الإسرائيلي المجرم؛ ليُصبح وجه إسراء على حروقه هو وجهُ فلسطين المسلوبة والمغتصبة والمزورة بحدودها المصطنعة والتي يريد البعض اختزالها في وطنٍ بديلٍ أو في غزة والضفة والقليل من القدس.

 

ورغم ما سبق فإن حروق جعابيص وتشويه وجهها لن تزيدَ الفلسطينيين ومقاومتهم بل لن تزيد زوجات ونساء وبنات الأسرى وكل المتعاطفين معهم إلا قوة ووحدة، ذلك لأن الحروق على بشاعتها وقباحتها وفظاعتها بل على وجعها، بها من الفخار والشموخ والكبرياء ما يعجزُ أمير الشعراء وكل الأدباء عن وصفه، فالقضية ليستْ قضية وجهٍ يُحرق، هي قضية تاريخٍ يُسرق، هي قضية حليبُ أمٍ وعزُ أرضٍ ونبراسُ وطنٍ هي قضية بطولةٍ وثورة، هي قضية أمومة يريدُ الاحتلال أن يختزلها في نجلها الوحيد "معتصم" بعد أن أرعبه اسمه، لاسيما وأن كل الحرائر بل كل الإنسانيين والأحرار في العالم ما انفكوا يستنجدون بالمعتصم بالله وبصلاح الدين، فالقدس تصرخُ أين المعتصم، وإسراء الجعابيص على ثورتها وبركانها وحروقها تقولُ لكل الدنيا أنا في سجني عزيزة، وما زادني السجنُ إلا هيبة، وما زادني الاحتلال ومحقيقيه إلا ثورة.

 

السجنُ نارٌ تحرقُ السجان، وتدفئ المسجون المظلوم الواثق بأنَ ما بعد السجن إلا الفرج وما بعد الحروق إلا الشروق وما بعد الليل إلا الشمس، فهل علمتنا المقاومة دروسًا جديدةً في استشعار معاناة أسرانا داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، أُريد من كل كبيرٍ وصغيرٍ أن يشعر بإسراء وأن يعايش تجربة الأسيرات بل الأسرى عمومًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وقتها سنلعنُ أنفسنا كيفَ أننا نعيشُ مرفهين وهم الذين ضحوا بزهرة شبابهم وأعمارهم في زنازين الاحتلال الإسرائيلي، لأختم تدوينتي بالتحية لحروق إسراء الجعابيص ولجنرالات المقاومة وقادة الفصائل في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وإنها لإنسانية سنواصلها حتى تبييض السجون من كافة الأسرى دون قيدٍ أو شرطٍ أو تميييز.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الخطورة الكبيرة في بنود صفقة القرن الأمريكية أنها تستهدف الأرض الفلسطينية وإنهاء الوجود الفلسطيني عليها والتركيز بقوة على مشاريع التهويد والاستيطان للأرض الفلسطينية واستكمال مخططات تهويد القدس والضفة المحتلة.

عباس، ومن حوله من المطبلين كان لهم رأي آخر رغم رفضهم صفقة ترمب، فإنهم لا يستطيعون مواجهتها أو التخلي عن منهجهم التاريخي في التسوية أو الوقوف في وجه الاحتلال.

الأكثر قراءة