شعار قسم مدونات

المستقبل الحائر لمشروع السلفية الوجودية

تتوالى وتتنامي الخطوات التي تفرضها بعض السلطات العربية على شعوبها للخروج من هويتها الدينية تماما مع الاحتفاظ بعنصر واحد هو طاعة ولي الأمر، وتتسارع هذه الخطوات بمعدل لم يعرفه أحد من قبل في تاريخ التحولات الاجتماعية، ويتكاتف اليساريون القدامي في سبيل الدعوة إلى تأييد هذه التحولات باعتبارها كفيلة بهدم مجتمع تقليدي وإن كانوا بالطبع لا يعترفون بهذا مؤثرين الحديث الذي يتظاهر بالغناء للحرية من القيود الاجتماعية.

 

سئلت عما أعتقد حدوثه من معقبات متوقعه لهذه السلفية الوجودية المراد فرضها في المجتمعات الإسلامية؟ فقلت إنها هي نفسها تلك المعقبات التي انتشرت في فرنسا على يد الوجوديين حين انصرفوا بسبب الفلسفة الوجودية إلى الإغراق في فنون التسلية وقتل الوقت في منتوجات فنية من قبيل السينما والرقص لا ليمارسوا ثقافة وإنما ليمارسوا الكسل، وليمارسوا المتعة المرتبطة بالكسل، بحثا عن الضحك على سبيل المثال، أو عن تجاوز الأخلاق التي كانت مفروضة من قبل بدعوى الحسبة، والأمر بالمعروف، وكأن هيئة الأمر بالمعروف كانت تمثل للسعوديين البرجوازية التي لا بد من الفكاك منها.

 

يحدث هذا في الوقت الذي يحرص فيه الغرب الراشد على أن يطور إفادته من كل قيم الإسلام بدءاً من الرشادة المالية وخفض سعر الفائدة إلى صفر ٪ وبدءاً من الانتماء للأخلاق الإسلامية في الطهارة والمؤاخاة والتكافل تدريجيا

ويبقى سؤال آخر: لماذا يشغل الغرب نفسه الآن بكل هذا الذي يحدث في مجتمع كالمجتمع السعودي؟ ولماذا يحرص على معاداة أي صعود واقعي للقيم الإسلامية في ليبيا أو في تركيا، ولماذا يسارع إلى معاداة كلّ توجه وطني له علاقة بالأخلاق الكريمة؟ ولماذا يسارع إلى الترحيب بكلّ توجه مرتبط بالعمالة وخيانة الوطن والهوية؟ وببساطة شديدة فإن السؤال هو: لماذا الآن مع أن هذا لم يحدث من قبل؟

 

الإجابة ببساطة شديدة هي أن الغرب (بلغة الاقتصاد أو حتى بلغة السوق) يدافع عن نفسه وعن وضعه المتميز بعد ان انتبه الشرق بفضل الربيع العربي. وهنا لابد لي من أن أشير إلى خاصية عقلية بشرية تضمن تلازم آليتين تبدوان متناقضتين لكنهما تكتملان: ألآلية الأولى هي الإعجاب بالآخر المتفوق والآلية الثانية هي الدفاع عن النفس ضد ما قد يجلبه تفوق الآخر، فإذا ما طبقنا هذا الفهم فبوسعنا أن ندرك أنه بقدر ما رأى العالم من إيجابيات ومثاليات في الثورة المصرية في 2011 وبدأ زعماؤه يطالبون شبابهم بالاقتداء بها، فإنه أي الغرب نفسه من ناحية أخرى بدأ سعيه الحثيث لوأد هذه الثورة في مهدها بالتلازم مع كان يدعو إليه من استلهام روحها في أرضه هو.

 

ما هي التقنيات التي استسهل الغرب اللجوء إليها؟ بدأ الغرب يجاهد نفسه من خلال اليمين المتطرف، بل وحتى من خلال التفكير في العودة إلى الاستعمار والعهد الكولونيالي لكنه في الوقت ذاته بدأ يبحث في قيم الإسلام نفسه على كل ما قد يفيد أعداء الإسلام، وعلى ما قد يؤذي المسلمين في صعودهم فيؤخر هذا الصعود، وليس من شك في ان النمط الأول موجود، وكذلك النمط الثاني، ففي التطوير الأخير للسلفية تتبدى وتتجلى كلّ مؤهلات القابلية للاستعمار، وكل مبرّرات التخلي عن الإسلام من أجل حياة ذليلة وإن كان ظاهرها السلام.. ومع أننا نعرف من علم الباثولوجيا أنه في التطوير الأخير (والشاذ) للحياة الاجتماعية في ظل سيطرة الدولة الأبوية أو البطريركية (الفاسدة) فإن الأب لا يمارس الدور الطبيعي للأبوية البطريركية الراعية الناصحة المهذبة، ولكنه يقود بنفسه عمليات الإفساد، كما لو أنه ليس الأب وإنما الوصي على اليتامى الذي لا يمكنه الاستمرار في استحلال ونهب أموال هؤلاء اليتامى إلا بتحويلهم إلى أشخاص غير راشدين وقاصري العقل ومن ثم فإنهم لا يستغنون عن ولي أو وصي أو ولي أمر يظل له (مهما كان اسمه وشخصه) حق التصرف في أموالهم (حتي فيما يؤذيهم) دون أن يكون لهم هم أي حق في هذه الأموال إلا من خلاله هو بنزواته قبل رشده، وبأطماعه قبل أمانته!

 

يحدث هذا في الوقت الذي يحرص فيه الغرب الراشد على أن يطور إفادته من كل قيم الإسلام بدءاً من الرشادة المالية وخفض سعر الفائدة إلى صفر ٪ وبدءاً من الانتماء للأخلاق الإسلامية في الطهارة والمؤاخاة والتكافل تدريجيا حتى بدون الحديث عن مثالياتها.. وبدءاً من فكرة الولاء والبراء التي رفعها السلفيون وسرعان ما تخلوا عنها.. الخ، ليبني عليها اليمين المتطرف الحالي في أمريكا وأوروبا نظريته الفلسفية والسياسية الحديثة.

 

كنت كثيراً ما ألخص لأصدقائي من الأطباء المثقفين (محبي الفلسفة الذين يفوقونني فهما لها واطلاعا عليها) بعض ما أفهمه من الفلسفة حين أترجمها بلغة الإسلام البعيدة عن عام الكلام، ومن ذلك أنني كنت ألخص الوجودية في نوعين، نوع يميل إلى الإلحاد مع العلم على نحو ما قدمه سارتر وأمثاله ممّن نقل عنهم كثيرون من فلاسفتنا وكتابنا عن إعجاب أو عن استسهال، ونوع آخر يميل إلى الجمع بين العلم والايمان دون أن يجد منبعا واحداً مشتركا للعلم والايمان.. وقد عرف الغرب كثيرين من الذين مالوا إلى هذا التوجه دون ان يعني مثقفونا بالنقل عنهم أو التعريف بهم، وفي مقدمة هؤلاء باسكال نفسه (1623 – 1662) الذي يعده بعض الوجوديين أول من قال بالوجودية. ومن هؤلاء الكاتب المسرحي جبريل مارسيل الذي يناظر في عمره وحياته ومماته الدكتور طه حسين ١٨٨٩-١٩٧٣ لكن هذا و ذاك كانا يفتقدان الصرامة الفلسفية التي تتعالى حتى على الإيمان والتدين ولهذا فإن الدكتور قعبد الرحمن بدوي حين قارن بين مارسيل  وبين ثلاثة آخرين من رواد الوجودية المعاصرين وصف منهجه بأنه متهلهل التفكير ولم يكن هذا تعبيرا عن كراهية للإيمان بقدر ما كان تعبيرا أو انطلاقاً من صرامة النظرة الفلسفية واستعلائها المعروف على كل تدين أو على كل تفكير في التدين.