شعار قسم مدونات

هل طريق تقدّم العرب يمر عبر إسرائيل حقاً؟

بعد العرض المسرحي الذي أعلن به كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو عن صفقة القرن، لم يستفق الشارع العربي من صفعة صدمات تداعت على المنطقة، بين غضب شعبي وعدم قبول بها بشكل مطلق ورفض مهذب للسلطة الفلسطينية (مع تأكيد الرئيس عباس، على أنه بعكس كل دول العالم لا يحب ولا يؤمن بفائدة السلاح)، وبين تسويق للصفقة ومشاركة سفراء بعض الدول العربية، وارتباك واضح في بيانات البعض الآخر تعليقاً على الحدث الذي من المفترض له وفقاً، لعرّاب الصفقة جاريد كوشنر، أن يكون تاريخياً وإكسيراً سحرياً للسلام، وحلاً عادلاً وحاسماً لقضية كانت ولعقود طوال على رأس قائمة الأولويات العربية وقضايا المجتمع الدولي.

لم يستفق الشارع العربي من تلك الصفعة حتى تلقى الأخرى بخبر أعلن عنه نتنياهو بتغريدة من حسابه على تويتر، مفادها أنه التقى برئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، في أوغندا مشيراً إلى دخول السودان حسب قوله في "اتجاه جديد" ورغبته في تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، مشيداً بأداء البرهان وحرصه على إخراج دولته من العزلة الإقليمية والدولية، جاعلاً منه مادة إعلامية يتبجح بها بنصر آخر يوهن به عزيمة مَن يرفضون الصفقة وتطبيع العلاقات معه. ويروج لضرورة التطبيع مع إسرائيل، لكي يسود الرفاه والأمن والتقدم البلدان العربية التي ترزح تحت قبضتي الاستبداد والفقر، تاركاً البرهان بموقف صعب ليتحمل تبعيات اللقاء على الصعيدين الداخلي والخارجي.

نرى السلطة الفلسطينية، بعد مرور 27 عام على معاهدة أوسلو، ما تزال تغرق في مستنقع التنازلات والتقلص الجغرافي لصالح الكيان الصهيوني شيئاً فشيئاً، حتَّى رأينا خريطة فلسطين الجديدة اليوم وفقاً لخطة ترامب، قطعاً مبعثرة متناثرة

فهل أصبح طريق الازدهار والتقدم العربي يمر عبر إسرائيل؟ أم أن أقصر الطرق للاستبداد بالحكم، وكسر إرادة الشعوب هو الذي يعرّج بسالكيه على تل أبيب؟

إنَّ تجارب بعض الدول العربية المعلنة في التقارب مع الكيان الصهيوني وتطبيع العلاقات معه، على المستوى الرسمي كالأردن، ومن قبله مصر، وحتى السلطة الفلسطينية عبر اتفاقية أسلو عام 1993.
لا تدع مجالاً للشك، في أن عوائد السلام مع إسرائيل السلبية على الشعوب في المقام الأول أكثر من إيجابياتها بكثير.

فبعد مرور أكثر من أربعة عقود على اتفاقية "كامب ديفيد" المصرية للسلام مع إسرائيل، نرى أن مصر لم ترتفع إلى مصاف الدول المتقدمة، ولم تنخفض فيها معدلات الفقر والبطالة والجهل، ولم تقل مديونية مصر لدى صندوق النقد الدولي ولم يناطح اقتصادها اقتصاد الدول العشرين. إنما زادت القبضة القمعية في البلاد صرامة وقساوة، وتمكنت من مفاصل المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني، واحكمت الخناق على الشعب المصري، وقتلت التجربة الديمقراطية المركزية الوحيدة في المنطقة، حين تمكن الشعب المصري من الإضرار ولو قليلاً بهذه القبضة في ثورة 25 يناير عام 2011 بانقلاب عسكري قضى على التجربة الديمقراطية في مهدها، وعادت بمصر إلى تردي على المستوى السياسي والاقتصادي والحقوقي وكافة المجالات، إلى أسوأ مما كانت عليه قبل ثورة يناير.

ونرى السلطة الفلسطينية، بعد مرور 27 عام على معاهدة أوسلو، ما تزال تغرق في مستنقع التنازلات والتقلص الجغرافي لصالح الكيان الصهيوني شيئاً فشيئاً، حتَّى رأينا خريطة فلسطين الجديدة اليوم وفقاً لخطة ترامب، قطعاً مبعثرة متناثرة لن يتمكن أي طفل فلسطيني من رسمها، فضلاً عن أن يحبها أو يفتخر بها.

أمّا الأردن، فقد سمعنا على لسان العاهل الأردني، في واشنطن، أثناء جلسة حوارية عقب تسلمه جائزة "رجل الدولة – الباحث" لعام 2019، قوله: أن العلاقات الأردنية – الإسرائيلية "في أسوأ حالاتها". حيث يشعر الأردن بانزعاج إسرائيل من سياساته المتعلقة بالقضية الفلسطينية، والرافضة لأي حل لا يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، ويشعر أيضاً بتراجع الحاجة له مقارنة بما كان عليه الوضع قبل اتفاقية "وادي عربة"، في ظل هرولة حكومات عربية إلى الحضن الإسرائيلي، والمسارعة سراً وعلانيةً في تطبيع العلاقات معه والتسويق له، ما يفسر هذا التدهور بينهما في العلاقات.

undefined

فإن كان ما يبرر به المبررون والمؤيدون للقاء عبد الفتاح البرهان بنتنياهو، والذي لم يكن للسودان شعباً وحكومةً أي علم مسبق به؛ السري للغاية قبل أن يعلن عنه نتنياهو. يبررونه برغبة البرهان في إخراج السودان من أزمته الاقتصادية التي وضعته بها العقوبات الأمريكية، ومن قائمة الإرهاب، والدفع بالسودان إلى الأمام ونحو الأفضل، من خلال تطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي كضامن يساعده في ما يتطلع إليه، ودعوة أمريكا للبرهان بزيارتها على حد زعمهم وهو ما لم يحدث منذ ثلاثين سنة.

فإنَّ هذا التبرير واهي وفاسد، ومجرَّب حتَّى لم يعد ينطلي على طفل صغير. ولا شك بأن التطبيع مع إسرائيل لا يصب إلا في صالح حكّام الاستبداد، والتفرد بالسلطة على حساب تطلعات شعوبهم. ولا شك في أن إسرائيل، لن تهدي شعوب المنطقة باقةً من الزهور معطرَّة بالديمقراطية والحريات، ولكن حكّاماً مستبدين يحرسون لها حدودها وأمنها، ويضمنون مصالحها في منطقتنا العربية على حساب تطلعات وأحلام الشعوب العربية. فهي كيان عنصري توسعي، قام على فكرة العداء للعرب والمسلمين، وادعاء حقاً تاريخياً مزعوماً بإسرائيل واحدة موحدة، تمتد أراضيها بين النهرين؛ وهذا ما لا تخفيه إسرائيل أو تستحي منه أبداً، فهو مرسوم على علمها.. نجمة سليمان بين خطين يشيران إلى نهري النيل والفرات.

وفي نهاية المقال، أود أن أشير إلى أن شعباً مثل شعب السودان الذي انتفض في وجه الاستبداد والفساد بثورة زرقاء عظيمة، وتمكن من الحفاظ على سلميّتها حتى النهاية، لن يرضى بأن يخرج من قبضة الاستبداد السابقة مهرولاً مع المهرولين إلى الحضن الإسرائيلي المغطى بدماء شهداء الشعب الفلسطيني، فهو أوعى من أن تنطلي عليه مثل هذه الحيل والخدع والوعود الواهية.