شعار قسم مدونات

لعنة زايوس.. العبثية والغائية بين كامو وشوبنهاور!

blogs شوبنهاور

نكتب لإجلاء ذاكرتنا عن الصدأ، لنصرف أنفسنا عن التفكير بجنون ما، عن ارتكاب سذاجات كالثورات مثلاً. ونكتب أي جنون كي لا نعيش رهن تساؤلاتنا التي تتعدى ما ورائيات السؤال، كالصدفة التي أوجدتنا هنا في زمان ومكان قلّما نؤمن بأنهما متوازيين ولا يسبق أحدهما الآخر. لذا نمارس الكتابة كداعٍ للحياة، كخيط نربط به الزمان بالمكان. ربما وصلنا هنا بأعجوبة ما عبر بوابة زمنية لقادمين من أزمان غابرة انسجموا مع آخرين سيأتون من أزمنة لم تحل بعد. ووارد جدا وأن وجودنا انا وابناء جيلي بل وأجدادنا أيضاً ما هو إلا محض مصادفة. وهكذا ننأى بأنفسنا عن كل الفرضيات التي تفرض غير نظرية الصدفة هذه. إننا بذلك نغتال إحساسنا الداخلي بذواتنا وننسلخ عن الشعور بالوجود إلى عدمية داخلية محضة، وهي مرحلة الإيمان التي نصل فيه نحن الشعب إلى إيمان عميق بالذات يرقى إلى نفي الشعب نفسه.

يطرح الكاتب والفيلسوف اللألماني أرثر شوبنهاور في كتابه "العالم إرادة وتمثلا" نظرية أطلق عليها "إرادة الحياة". ويحتج من خلالها أن فناء العنصر الإنساني "العدمية" مقيد بالغرائز وأن جوهر الحياة (الوجودية) يكمن في الإرادة. ويلخص هذين المبنين في مصطلح شامل أوسع يسميه "الغائية". ملخص نظرية شوبنهاور هو أنه لابد من سبب ما للوجود وبالتحديد السحق وإفناء الآخر ومعايشة المآسي. ومن خلال هذه النظرية، فإن الشعوب التي تقاسي الآلام والحروب والمآسي أوتيت قسطاً من السببية للعيش. وأما الذاكرة لدى المجتمعات التي لديها تواريخ مسطرة بالبؤس، والحروب الأهلية، تبعث دوراً هاما أيضاً، إذ من خلال الذاكرة، والآثار النفسية والاجتماعية تواكب الأمم نمط الحياة، مما هو سبب كافي في نهاية الأمر لقضم تفاحة أخرى من شجرة الحياة.

حين ترى شعوباً تتفنن في نبش الماضي، واسترجاع معايشته من جديد من خلال استرجاع الأحداث لا تعالج ظاهرة تلذذ الألم، وإنما أمما تعيش كل حاضرها تقصياً عن تاريخ ما، عن أحداث ما عيشت بصرف النظر عن طبيعتها ما اذا كانت حروباً وانتصارات أو هزائم ألفناها

في نظرية مغايرة، يطعن ألبير كامو في مبدأ الغائية هذا، إذ يرجح أن السبب لا يتعدى كونه فنا للتمرد على حقيقة أنه لا وجود للغاية أصلا. قائلاً "ما يسمى سببًا للحياة هو أيضاً سبب ممتاز للموت" وأن ما يبعث الأمم والمجتمعات على مزاولة البقاء ومزاولة العرف الاجتماعي هو مقاومة لمغايرة هذه الحقيقة. وتلك هي نظرية العبثية التي طرحها إطارات عدة ويجسد كامو نظرية العبثية بإتقان في "أسطورة سيزيف" تلك الأسطورة الإغريقية القديمة عن فتى يدعى سيزيف حتم عليه جر صخرة لأعلى الجبل كعقاب إلهيّ لتحايله على زايوس زعيم الآلهة في الميثولوجيا الإغريقية، وكلما قاربت الصخرة أعلى الجبل تبدا بالتدحرج. وهكذا يقضي حياته في عبثية جر الصخرة. وعند أسفل ذاك التل يقبع ثاناتوس (إلٰه الموت في الأساطير الإغريقية) الذي ينتظر سيزيف في حين سقط على الأرض ولم ينجح في جر الصخرة أعلى التلة لنيل الحرية المطلقة. وبما أن الحرية المطلقة حكر على الآلهة فقط فمصيره هو الموت المحتم.

رغم أنه هذه القصة لا تتعدى كونها مجرد أسطورة تحاكي مصير من يتحايل على الآلهة، إلا أنها ترمز لمعنى أكثر عمومية. فالوجه الأول لعبثية الوجود في هذه الأسطورة هو الألم بما فيه البؤس والشقاء الذي تواجهه البشرية وتمر بها المجتمعات البائسة. وأن تعي الشعوب آلامها وحقيقة أنها راكدة لا تواكب نمط الحياة كالدول المتقدمة فهي في حالة من عبث الوجود. ويستنتج كامو أن يقظة الوعي هذا يفضي بنا إلى انتحار ذاتي ناتج عن وعي الشعب بحتمية العبث الذي يعيشه لكنه لحد ما عاجز عن إنهاء الألم. ومن هنا نستنبط نظريةً جديدة هي نظرية التحايل على الموت، وهو خيار سيزيف الوحيد. أي أن يدحرج الصخرة عن قصد منه تحايلاً على ناثانوس الذي ينتظره أسفل التل.

undefined

وكشعب عايش حروباً أهلية مثلاً ويعيش الآن قاع القنوط ويكرر محاولات يائسة في إرادة الحياة من شتات ومخيمات لجوء ليعيش بين قنوط الحياة كعبثية للوجود من ناحية، وإرادة الحياة من ناحية أخرى، فإن التحايل ومزاولة الموت قد يبرز كخيار بديل. بما في ذالك استعادة الذاكرة، وعيش أحداث الحروب من جديد بكل ما أوتو من حياة، فيكتبون عن الحرب، ويغنون للحرب والقبلية، ويبلغ الشعب نشوة الموت اللا واعي بإبادة نفسه بالحرب تارة، ثم ذكريات الحرب تارة أخرى كالتفجيرات إرهابيه وجلد الذات.  في نهاية المطاف كلها ما هي إلا وسائل لإستثارة أدرينالين المجتمعات الهشة كإثبات للجانب المتشائم لفلسفة شوبنهاور عن الحياة.

حين ترى شعوباً تتفنن في نبش الماضي، واسترجاع معايشته من جديد من خلال استرجاع الأحداث لا تعالج ظاهرة تلذذ الألم، وإنما أمما تعيش كل حاضرها تقصياً عن تاريخ ما، عن أحداث ما عيشت بصرف النظر عن طبيعتها ما اذا كانت حروباً وانتصارات أو هزائم ألفناها. وتعاني إعاقة نمطية ونفسية في مواكبة التقدم وتلك هي الثورات المضادة، أو ما يصفها كامو بالتمرد. وعلى حد قوله فإن لا عقلانية الحياة تكمن في استحالة عدم وجود الشقاء والتعاسة. وبهذا يكون النعيم والسعادة الأبدية محض فرضيات. إلا ان عيش اللا معقول أهون من انتحار يفضي الى موت محتم هو العدم. (نظراً لإعتقاد كامو ان عكس الحياة هو العدم) منكراً بذالك "الموت" كمادة، وبما ان العدم غير مرغوب به فمزاولة جر الصخرة ، وعيش الواقع كما هو كنوع من التمرد هو الحل الأمثل.

بالرغم من محاولات كلٍّ من كامو وشوبنهاور لتحليل الغائية رغم اختلاف وجهات نظرهما وإن تقاربا في المفهوم التنظيري حول الإحباط والنضال والتمرد كغائية إلا أن كلها تظل بمثابة نتائج تحتاج لتحليل منطقي لأسبابها. فلم يعالج كلاهما مثلاً عن أسباب وجود الشقاء والبؤس. وعلى الأرجح تجنبًا لخوض مجاراة مع أفلاطون حول نظرية " المدينة الفاضلة" في إيجاد مدينة خالية من الأسباب التي تطرق إليها الإثنان. علاوة على ذالك، يلزم اعادة النظر فيما إذا كانت نظرية كامو "عبثية الوجود" قيد الصلاحية بعد مرور قرابة الثمانين عام من كتابة مقاله "أسطورة سيزيف" عام ١٩٤٢. ثم رواية الغريب في العام ذاته.

في الختام، أراهن أن للمجتمعات التي تمر بأزمات ما رأياً مغايراً في تقبل البؤس والإحباط كسبب كافٍ للعيش. و كشعب عايش نكبات أو ربما ما زلنا نعايش آثارها حتى الآن. فإننا نرى الحياة كفاكهة تتمايل إشتهاءاً مرمى عينينا. كتفاحة محرمة تحول بين نعيم جنة الآخرة وجحيم الدنيا، لكننا لا نمانع قضمة قد نجازف بها بنعيم آخروي على عبثية وجودنا الدنيوي لنعيش جنتنا السفلى. ونقول لِـناثانوس الذي يعشش فوق رؤوسنا في حال توقفنا عن جر صخرة الحياة، أننا نقترف الوجود هوايةً والكتابة حيلةً نتحايل بها على عبثيتنا في سبيل غاياتٍ أفضل.