صورة ما بعد الحرب العالمية والوطن في المذكرات الحمراء عن ثورة 1919

في هذه المدونة نناقش بعض ملامح الذكريات التي يرسم بها الشيخ عبد الوهاب النجار بعض التطورات العالمية وأداء بعض الشخصيات المصرية في عصر بثورة 1919. وعلى سبيل المثال فإن هذه المذكرات تسجل بالتقدير موقف أحمد حمدي سيف النصر مدير الجيزة، وهو الموقف الذي استحق في نظر الشيخ النجار أن يوصف بـ «الوطني المشرف»، وقد تجلي هذا الموقف تجاه أحداث العزيزية (إحدى قري الجيزة) التي تورط فيها جنود الاحتلال فانتهكوا حقوق الإنسان، وهو يشير إلى هذا الموقف في أكثر من موضع منها مذكراته عن يوم 29 مارس 1919.

 

وتدلنا مذكرات عبد الوهاب النجار (في يوميات 15 مارس) على أن الفريق إبراهيم فتحي، وهو أحد الضباط الكبار في الجيش المصري كان من أنصار التهدئة فيما يتعلق بالعلاقات مع الإنجليز، لكن أبرز زعماء الوفد بعد نفي سعد زغلول وهو علي شعراوي باشا صارحه بأن الرأي في مثل هذه الأمور لم يعد فرديا، وإنما أصبح في يد الوفد مجتمعا. وفي يوميات 18 مارس 1919 يدلنا الشيخ عبد الوهاب النجار على الموقف الصلب الواضح الذي وقفه علي شعراوي باشا (وكان في ذلك الحين أكبر شخصية في الوفد بعد نفي سعد زغلول) حين جاءه جعفر ولي داعيا إلى إعادة السكينة ـ على حد تعبيره فلم يستجب له.

 

ومما هو جدير بالذكر أننا نرى في مذكرات الشيخ عبد الوهاب النجار إشادة برجل أجنبي كان المصريون جميعا يشيدون به، وهو المستر فرانس ناظر الخديوية الذي نقلنا في مجموعة كتبنا أكثر من ثناء عليه وعلى أدائه وخلقه، ومن ذلك ثناء الدكتور احمد عبد السلام الكرداني، والمهندس عبد المنعم هيكل وغيرهما من أصحاب المذكرات من ذوي المشارب المتعددة، وها هو الشيخ النجار يتحدث أيضا عن هذا الرجل بإعجاب يسجله باعتزاز في مذكرات 28 مارس.

 

لا تخلو مذكرات الشيخ عبد الوهاب النجار من تسجيله لانطباعاته عن الحوادث العالمية وصداها في سياق الثورة المصرية وأحداث الوطن، وهو يتحدث في مذكرات 8 مايو عن تعجبه مما يصفه (أو يوحي في وصفه) بأنه كان افتراء من الحلفاء على الألمان

ومن الشخصيات التي يحرص الشيخ عبد الوهاب النجار على أن يبلور حقيقة موقفها من الثورة نقيب السادة الأشراف السيد عبد الحميد البكري، وذلك في مذكرات الجمعة 4 أبريل. كذلك يتناول عبد الوهاب النجار أيضا موقف إسماعيل أباظة باشا من ثورة 1919، وبخاصة أن هذا الرجل كان كما هو معروف رئيسا لوفد مصري سبق ذهابه إلى لندن لعرض القضية المصرية في معقل ديار الإنجليز.  وعلى صعيد ثالث فإن الشيخ عبد الوهاب النجار يشير إلى موقف بعض شباب الحركة الوطنية من بعض تصرفات الشيخ عبد الرحيم الدمرداش وتوجهاته، بما يدل على ما كان هؤلاء الشبان يتمتعون به من وعي وطني وذكاء ثوري (مذكراته 16 أبريل).

 

ونحن نري الشيخ عبد الوهاب النجار يمارس باقتدار موهبة المؤرخين الأذكياء المحبين لمهمتهم من أهل ذلك الزمان الذي عني بالتجويد والتسجيل ما أوتي إلى ذلك سبيلا، وهو يقدم معلومات دقيقة عن شغل الوظائف الإدارية وتعاقب المسؤولين عليها، وهو يفعل هذا بسلاسة من دون أن يتعالى على تسجيل التاريخ تحت مظنة أنه أكبر من أن يسجله، ومن ذلك ما يرويه عن شغل وكالة الداخلية ومنصبي محافظي القاهرة والإسكندرية، وذلك في مذكراته عن 2 يونيو 1919  وعلى النمط ذاته يتحدث عبد الوهاب النجار (قبل ستين صفحة من هذا الموضع) عن تعاقب العلماء على منصب المفتي في ذلك العهد ردا على سؤال وجهه له أحد الذين كانوا يتابعون مذكراته بصفة يومية.

 

ويروي الشيخ عبد الوهاب النجار واقعة تبدو طريفة لكنها تدل على مدي ما كانت المناصب العليا محاطة به من سياج اهتمام أصحاب المهن وتقديرهم، من ذلك أنه أشار بعناية شديدة في مذكراته عن يوم 9 يونيو إلى ما نشر عن ترشيح جعفر ولي لمنصب النائب العمومي، لكنه في اليوم التالي نشر ما حدث من احتجاج على هذا التعيين، شارحا جوهر هذه القضية على وجه جيد، ومضفرا ما يرويه من أحداث بما خبره هو نفسه بنفسه في شأن صاحب هذه المشكلة. وعلى النهج ذاته الذي سبق لنا الإشادة به فإننا نجد الشيخ عبد الوهاب النجار ينشر حركة المديرين في 11 يونيو، وينشر عبد الوهاب النجار بقية هذه الحركة على نحو ما صدرت بها القرارات والمراسيم في 20 يونيو.

 

ولا تخلو مذكرات الشيخ عبد الوهاب النجار من تسجيله لانطباعاته عن الحوادث العالمية وصداها في سياق الثورة المصرية وأحداث الوطن، وهو يتحدث في مذكرات 8 مايو عن تعجبه مما يصفه (أو يوحي في وصفه) بأنه كان افتراء من الحلفاء على الألمان، وتسلطا على مستقبل ألمانيا، ويعود عبد الوهاب النجار إلى الحديث المتأمل عن هذا المعني بعد يومين من أول تناول له، أي في مذكرات السبت 10 مايو، فلا نكاد نراه قد غيره من موقفه الإنساني المعتدل. أما فيما يتعلق بالرئيس الأمريكي ويلسون صاحب المبادئ الداعية إلى السلام فإن الشيخ عبد الوهاب النجار يوافق الصحف الإنجليزية والأمريكية على رأيها في أن معاهدة الصلح كانت بمثابة فشل كبير له ولمعاونيه، وهو يعقب على هذا الرأي الواضح بإبداء رأيه هو نفسه. ويعلق الشيخ عبد الوهاب النجار على موقف الألمان من الحلفاء فيما بعد الحرب في مذكرات 20 مايو مقدما رؤية تحليلية مهمة.

 

وعلى وجه العموم فإن الشيخ عبد الوهاب النجار لا يقف أمام الأخبار العالمية بدون التحليل والتدقيق الذي يليق بمؤرخ من طبيعته، ومن ذلك ما نراه فيما يرويه في مذكراته 12 مايو حيث يستعبد ما كان يروي عن تطورات المسألة التركية، كذلك يتحدث الشيخ عبد الوهاب النجار في مذكرات 29 مايو عن رؤيته للعوامل الحاكمة لعلاقة إنجلترا بالدول الإسلامية. ويستطرد الشيخ عبد الوهاب النجار في مذكرات الأربعاء 26 مارس إلى رواية بعض ذكرياته عن بعض مظاهر جبروت الإنجليز في معاملة المصريين في السودان، وهو يستطرد إلى رواية هذه الجزئيات عند وصوله إلى المرحلة التي أراد الإنجليز فيها أن يأخذوا بمثل هذا التقليد المتعسف في مصر في مواجهة منهم للثورة المصرية التي أقضت مضاجعهم.

 

ومع أن جو هذه المذكرات يحفل بتشبيهات الحروب وقسوتها فإنها لا تخلو من لطف المعشر إن جاز أن توصف مذكرات مشابهة بمثل هذا الوصف. ومن طرائف هذه المذكرات ما يرويه الشيخ عبد الوهاب النجار متعجبا في يوميات الأربعاء 19 مارس 1919 من اضطرار محمد حافظ رمضان بك (زعيم الحزب الوطني فيما بعد، وكان معروفا بتأنقه وأرستقراطيته) إلى ركوب عربة «الكارو»، وهو ما اضطر إليه أيضا مستشارو محكمة الجنايات العائدين من بني سويف.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة