أوليجر بريساس.. التضحية بما تحب لأجل مبادئك

blogs أوليجر بريساس

من الشخصيات الملهمة والمؤثرة في المجال الرياضي على الرغم من أنه لم يكن باللاعب الأشهر ولا الأميز، هو "أوليجر بريساس" لاعب برشلونة السابق والفائز معه بدوري أبطال أوروبا والدوري والسوبر الأوروبي والإسباني وكأس العالم للأندية، والذي أتم الأربعون عامًا من عمره في ٢ فبراير الحالي، أوليجر لم يكتسب شهرته لكونه لاعب كرة قدم متميز يشار له بالبنان كالعديد من زملاؤه في الفريق أو لأنه لاعب جيد فحسب، ولكن شهرته كانت بسبب مواقفه السياسية القوية كواحد من أبناء إقليم كتالونيا وأحد أهم دعاة استقلال الإقليم عن إسبانيا.

 

اتجاهات أوليجر السياسية اليسارية وإيمانه المطلق بالقضية الكتالونية وحق الشعب الكتالوني في الاستقلال والحكم الذاتي تجلت في بداياته مع الفريق وهو مازال لاعبًا صغيرًا لم ينل بعد حظه من الشهرة جعلته يقوم بتأليف أول كتاب في حياته، وبرغم أن الكتاب في ظاهره يتحدث عن سيرة ذاتية للاعب لم يفعل بعد أي شيء في كرة القدم لكن العالمين ببواطن الأمور وبتفكير أوليجر وتمرده المبكر كان يعلم أن الكتاب سيثير المتاعب وهو ما كان، تحدث أوليجر عن احتفالات المدينة للفوز ببطولة الدوري والأعداد المحتشدة في طريق "دياجونال" وشارع "بارا ليل" الشهيرين ثم تتطرق لانتقاد الحكومة الاسبانية ومشاركتها في حرب الخليج كتابع للولايات المتحدة الأمريكية وحكى عن نضال أسرته ضد الحكم الفاشي وهو ما جعله فيما بعد تحت الملاحظة من الجميع وعرفوا إنهم أمام شخص قد يثير المتاعب مستقبلا.

 

الشىء الذي لابد ان نحترمه جميعًا في ذلك الرجل أو غيره ممن يدافعون عن مبادئهم وقيمهم هو تمسكهم بتلك المبادئ والقيم حتى لو ضحوا بأجلها بالمال أو الشهرة

احتفالات أوليجر بالفوز بالبطولات كانت دائمًا بحمل راية الاستقلال الكتالونية (senyera estelada) ورفضه رفضًا باتًا حمل العلم الإسباني أو ترديد النشيد الوطني الإسباني وهو ما كان مقدمة لما سيحدث بعد ذلك، في عام ٢٠٠٥ وفي ظل مستوى مميز كان يقدمه أوليجر تحت قيادة الهولندي فرانك ريكارد قرر لويس أراجونيس المدير الفني لمنتخب إسبانيا استدعاؤه للانخراط في صفوف المنتخب، لكن اللاعب رفض الدعوة واعتذر بحجة أنه لا يجد مبرر للعب لمنتخب إسبانيا وبأنه يفضل أن يلعب لمنتخب كتالونيا الذي يخوض المباريات الودية عن اللعب مع إسبانيا في كأس العالم، وصرح وقتها أوليجر للصحافة إنه كتالوني الهوية ولن يستطيع أن يخالف عقيدته ويلعب للمنتخب الإسباني أبدًا، وفي نفس التوقيت قاد حملة بمشاركة جيش التحرير الوطني الكتالوني للعب مباراة ودية في المكسيك لدعم الجبهة اليسارية هناك.

 

كل هذا كان يثير المتاعب ويسلط الأضواء عليه أكثر فأكثر لكنه لم يكترث لما حدث وقام بكتابة مقال صحفي هاجم فيه الحكومة بعنف وشكك فيه في صحة واستقلالية القضاء الإسباني وفي كل إجراءات التقاضي، واستخدم مثال لعضو البرلمان "إيناكي دي خوانا" وإضرابه عن الطعام ضد إجراءات التقاضي، تم توجيه الاتهامات من الجميع وقادت الصحف المتحدثة بلسان الحكومة حملات لمعاقبته ومقاطعته وذهب البعض إلى إمكانية معاقبته بالحبس أو منعه من ممارسة كرة القدم للأبد وهو ما قوبل بتعاطف واستنكار من كل الداعمين للقضية الكتالونية ووقفوا بجواره، ولكن كان لإدارة برشلونة رأى آخر ولاقى أوليجر انتقادات حادة من الجميع داخل النادي وأولهم مدربه فرانك ريكارد وثانيهم خوان لابورتا رئيس النادي الذي رغم دفاعه عن الهوية الكتالونية إلا إنه اعتبر أن ما يفعله أوليجر يضر بالنادي ويتسبب في تحفز الجميع ضده في كافة الملاعب الإسبانية، وحدث ما كان يخاف منه لابورتا فعليًا وبدأ يتعرض أوليجر لعنف مبالغ فيه من المنافسين وتدخلات قوية على قدمه كما كان يتعرض في كل مباراة لهتافات معادية في جميع ملاعب إسبانيا من كافة الجماهير.

 

أجرى بعدها أوليجر مقابلة صحفية لإحدى محطات الإذاعة الباسكية دافع فيها عن نفسه واتهم الجميع بعدم الديموقراطية التي يتشدقون بها ليل نهار وبأنه سيفعل دائمًا ما يمليه عليه ضميره حتى لو تسبب ذلك في خسارته لأكثر شيء يحبه وهو كرة القدم، عرض الأمر بعدها على يوهان كرويف الأب الروحي لجميع لاعبي برشلونة في ذلك الوقت وبوساطة شخصية منه ساعد في إطفاء النار المشتعلة على اللاعب والنادي وتم نقل اللاعب إلى نادي أياكس أمستردام الهولندي للهروب من الجحيم الإسباني المستعر ضده بسبب مواقفه السياسية التي لا يتزعزع عنها، ومثلما يقول المثل الشعبي المصري (يموت الزمار وصوابعه بتلعب) شوهد أوليجركمشارك مع الهولنديين في احتجاجات ضد الحكومة الهولندية عام ٢٠١٠حدث بها بعض أحداث الشغب لكن النادي الهولندي رفض معاقبته لأن كاميرات المراقبة الشرطية أظهرت أوليجر فقط كمشارك سلمي في التظاهرات.

 

قد يتفق البعض وقد يختلف حول أوليجر ودوافعه، كما قد نتفق ونختلف جميعًا في أحقية الكتالان بالاستقلال، لكن الشىء الذي لابد ان نحترمه جميعًا في ذلك الرجل أو غيره ممن يدافعون عن مبادئهم وقيمهم هو تمسكهم بتلك المبادئ والقيم حتى لو ضحوا بأجلها بالمال أو الشهرة في مقابل أن ينظروا إلى أنفسهم في المرآة فلا يشعروا بأي خزي أو عار أو تفريط، أوليجر بريساس حاليًا اعتزل كرة القدم وأصبح سياسي وعضو حزب يساري ومحاضر في جامعات كتالونية وخبير في الاقتصاد ومن أهم المتحدثين والمدافعين عن الأزمة الكتالونية التاريخية.