أفغانستان في عيون طبيب مصري

استيقظ صباحا على أخبار الجزيرة مباشر لأتابع عملية انتحارية على القاعدة الأمريكية في قندهار بأفغانستان لأتناول بعدها رشقة الشاي وأنا اسمع عن أعداد الضحايا الأفغان ارتشف الأخرى بأكثر مرارة لأنه قد اتضح أن القتلى كلهم من الأفغان المدنيين أفغاني انتحر ليقتل أفغاني مثله وتجيء الرشفة الأخيرة لتقضي على ما تبقى من عقلي أن العملية تبنتها طالبان.

    

عشت حياة شبة منعزلة عن العالم الصغير المحيط بي لستة أشهر من شهر يونية إلى شهر يناير أشاهد الحياة من نافذتي داخل غرفتي أرى الشارع أتابع حيوات الناس احتفظت باتصالي مع العالم الكبير وهى الأخبار اتابعها باستمرار يصعب على الأهل تفسير اهتمامي بالأخبار لهذا الحد أشاهدها مع كوب الشاي الصباحي وكوب الشاي عند الظهر وملاحقتها عند صلاة العصر وبعد الغداء على السادسة تقريبا وعند بلوغ صلاة العشاء أسايرها كما تكون مأوى من عزلة فرضتها على الدراسة الجامعية.  

  

لا أدرى ماذا حدث يومها لماذا تابعت مأساة الأفغان ونسيت حلب وإدلب ولماذا أحدث نفسي وأحدثكم عن الأفغان وأنسى العرب؟ ربما لنجرب شعور أن هناك ماسي لا تطالك ولو كنت ممن تطالهم الماسي فلا تكمل المقال ولربما تكمله لتعرف أنك لست الوحيد في هذه الماسي بل هناك شيء اخر أعتقد أنه الملل مما نحن فيه ملل من أخبارنا المتكررة التي لا تنفك عن خزى وتكرار نفس المأساة لأكثر من مرة لأكثر من عام لنفس البشر اتشعر بمدى حقارة هذا الشعور؟ أن تمل من سماع ماسي غيرك وأنا أشعر بهذا.

   

رأيت نهر كابول قذر تفوح منه روائح دنيا لم يشاهدها من هم في سني في أربعينات القرن الماضي رأيت عوالم غريبة تحت كباري النهر يتناولون الحشيش والأفيون بنهم وموت

ورغم أن هذا الملل يصيب الكثير ولكن لا أحد يتحدث عنه ونظل نتحدث بلا كلل عن وقت غريب في عوالم غريبة تطالب من مريض الشلل الرباعي أن يفط ليفعل المستحيل فأيدي وأرجل تلك الجثة باتت مثبتة بمسامير من المحيط إلى الخليج، أتابع الأخبار العاجلة من أفغانستان العمليات الانتحارية تحدث يوميا والقتلى في كل الولايات لا يعلم أحد ماذا يحدث وأنا لا أعرف كل صباح ولمدة اسبوعيين متتاليين الأخبار تظهر عاجلة أسفل الشاشة بقناة الجزيرة الأخبار العاجلة تكون لدى الأفغان ماضي لفارق التوقيت ولتصبح كل المعلومات متاحة عند بداية نشرة التاسعة بتوقيت القاهرة الخبر العاجل ينبئ بالواقعة لتأتيك التفاصيل تباعا وليروي المراسل في كل هدوء غريب ما ضخ الواقع عليه من أحداث.

 

قتلى في كل صباح بالعشرات جلهم أفغان والمنتحر أفغاني استعجب لا أعرف لماذا تقتل طالبان كل هذا من أجل أن تفوز برأس شخص واحد نفر أو عدة انفار، أنفعل على الواقع الأليم كيف حال الناس هناك في الصباح هل ينتحرون كل يوم قبل خروجهم إلى الشارع يتمتم الواحد منهم أنا لن أكون هو المغدور به اليوم يبتعد عن أماكن تواجد الأهداف تلاحقه الأهداف في المواصلات يشت العقل مني، الناس تسير في المسار المحدد تحاول أن تعيش، لا تفعل أي شيء سوى أن تعيش.

 

في الجامعة يوم الامتحان رأيت السيارة المفخخة قريبة من مبنى الكلية رأيت السائق يبتسم لي أغلق الباب وراؤه وانطلق لم أراه بعدها بل وجدت الطالبة فيروز نفسها في المستشفى فالسيارة انفجرت ومن شدة الانفجار أردتها على الأرض ففقدت الوعي، أرجأت أسفي لليوم التالي لعل الغد سيكون أفضل لهؤلاء الناس ولكن.

 

يتحسر القوم على الملكية هناك كما نحن هنا في أوطان العرب يتذكرون كيف كان يسير ملكهم كل صباح بدون حرس، رأيت نهر كابول قذر تفوح منه روائح دنيا لم يشاهدها من هم في سني في أربعينات القرن الماضي رأيت عوالم غريبة تحت كباري النهر يتناولون الحشيش والأفيون بنهم وموت ترك بلاد أعرفها يغترف منهم ما يشاء، رأيت امرأة تقف وسط الظلمة تنادى بأعلى صوتها كفاكم نعم كانت تقف بمفردها تحدث هذه الحشود ناصحة لهم.

 

حتى أفعال كهذا هي في عرف الطيش عند أبناء وطني ولكن أتدرى ماذا تفعل هذه المرأة انها تجعلك تفكر فيها وهي لا تدري أن الملاك يأتي في أفعال، أن الأنبياء في كل زمان ومكان مرادفهم المصلحون حتى وإن كانت امرأة تقف تحت كباري كابول تنصح رجال في وطن ينتج الأفيون والحشيش بمعدل قياسي يزداد سنة عن الأخرى ووطن يحتل الأول في قوائم المدمنين.

   

أنا لم يتغير بي شيء سوى شعر راسي ووزني الذي يزداد يوم عن آخر وعدد لا ينتهي من المقررات الدراسية التي يجب أن انتهي من قراءتها وكان هذا ما يظهر لي في المرآة ولمن يراني من الأهل في غرفتي محاصر بالكتب ولكن بداخلي لا أعرف كيف أحمد الله وعلى ماذا.



حول هذه القصة

بدأ مشواري مع الأخ جمال خاشقجي أيام الجهاد الأفغاني كنت يومها أعمل بمجلة الجهاد في بيشاور، حين اتصل بي الأخ جمال مطلع عام1988 عارضاً عليّ العمل مراسلاً لصحيفة الشرق الأوسط.

4/10/2019
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة