لماذا دعوت لألمانيا بأن يحفظها الله وأهلها في خطبة الجمعة؟

blogs مسجد

ولقد يعجب قارئ هذا المقال حين يرى مسلماً يقيم في أوروبا ويعتقد أن السياسة في بلاد الشرق البائس قد أممت الوعي الشعبي، واستغلت قضايا حق ومواقف خاطئة لبعض السياسات الغربية الاستكبارية الجائرة بعد نهاية الحرب الباردة، ورفض العالم للأيديولوجية الشيوعية، وبروز الولايات المتحدة كقوة وحيدة، والذي كان من نتائج ذلك، انتفاء الأسباب الأيديولوجية في تعاون الدول وتحالفها في الصراعات المقبلة.

وعليه فإن الصراع في عصر ما بعد الأيديولوجية، سيستدعي الثقافة والدين والإثنية، كمنطلق لإقامة التحالفات، ومبرّر للنزاعات، وعلت مواقف سياسية غربية مجحفة أثارت الاحتقان العام لدى الشعوب العربية والمسلمة واستفادت من هذا كله الكثير من السلطات العربية والإسلامية التي لا تملك مشروعية حقيقية لاستدامة حكمها واستحمارها الشعوب إلا رفع شعارات كبيرة ضد الغرب بغية تأجيل أي استحقاق شعبي، فتعمقت الغواشي النفسية والذهنية والفكرية بين الجميع حتى الدين نفسه لم يزدهر وأصابه انكماش، بل إن القصور في وعي الدين يتقاسم إثمه جهتان:

 

الجهة الأولى: التسلط السياسي والذي مارس:

أ‌- سرقة للإنسان ولاعتقاده ولهويته.

ب‌- رمى العقل الشعبي في عداوات مع الغرب كي لا يتم أي إصلاح للداخل فلا عدو لنا إلا الغرب.

ت‌- تقزيم للدين فلا بأس أن ينشغل المسلم في معنى (استواء الله على العرش) ولكن يمنع على المسلم أن يستفسر: ما حكم استواء الحاكم على كرسي الحكم بالقوة والقهر؟

وهل يصح أن تكون عيون الحاكم ويده فقط للبطش والمكر بالجماهير؟ وهل قدرة الحاكم تجيز له التسلط وإذلال وظلم وتعميق التفاوت الطبقي والفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟

 

الجهة الثانية: الغش الثقافي

الطبع الإنساني جبل على حب من أحسن إليه؛ وقد أباح الإسلام شكر كل محسن حتى وإن لم يكن على ذات الديانة؛ وعلى الرغم من أن المطعم بن عدي مات على الكفر إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينس موقفه النبيل

برع فيه علماء سلطة عملوا (بإثمٌ وعقوق للدين) وقدموا الدين بعيداً عن معانيه المبنية على الكرامة والحرية قريباً من (فكر السلطان) أو (وفق ما يعمق النوم وما يطلبه العوام). كان هذا جزءاً من ردي على من سألني: لماذا دعوت لألمانيا في خطبة الجمعة بأن يحفظها الله وأهلها؟

 

لو أنصف السائل لَعرف أن النفس الطاهرة تحمل الوفاء والشكر على الجميل (ولا تنسوا الفضل بينكم) (هل جزاء الإحسان إلا إحساناً) لكل من بذل الخير حتى ولو اختلف معك في الدين والخلق. إنني واحد من مليون لاجئ سوري فر من بطش آل الأسد وداعش البعثية إلى ألمانيا طالباً الأمان؛ فاستقبلنا الألمان باحتفاء واحترام وتقاسموا معنا الطعام والمسكن والشراب وسوق العمل والتعليم وتزوج البعض منا من ألمانيات؛ وقامت حكومة ألمانيا برعايتنا ومعالجة أمراضنا وبحمايتنا وتقديم وثائق السفر والإقامة بعد أن شردنا الوثن السياسي في بلدنا وعاملتنا غالب الدول العربية والمسلمة كفيروس كورونا فلا إقامة ولا تدريس ولا أي حق لنا إلا في العودة إلى حضن المجرم الرئيس.

 

لقد مضى على افتتاح مسجد أسسناه مع بعض اللاجئين في مدينة فوبرتال سنوات عديدة لم يتدخل أحد بكلمتنا ولم يشترط علينا أحد أن نقول أي كلمة؛ كما كان يفعل بشار أسد حيث حول المسجد في سوريا إلى (آية وحديث ومدح الرئيس)! فهل بعد كل هذا لا تستحق منا ألمانيا الدعاء لها ولأهلها! وهل في الدين ما يمنع من الدعاء لألمانيا وأهلها؟ رحم الله ذلك العهد الذي قال فيه العقلاء [الأصل في العلاقة بين المسلم وغيره المسالمة وليس الإسلام].

 

إن الطبع الإنساني جبل على حب من أحسن إليه؛ وقد أباح الإسلام شكر كل محسن حتى وإن لم يكن على ذات الديانة؛ وعلى الرغم من أن المطعم بن عدي مات على الكفر إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينس موقفه النبيل عندما قام بحمايته واللجوء إليه وكان يذكره بخير وفي يوم بدر لما اجتمعت الأسارى بين يديه قال: ( لو كان المطعم بن عدي حياً وجاءني في فداء هؤلاء النتنى لأطلقتهم من أجله)[1].

 

وقد نص الفقهاء أنه [يجوز أن تدعو لغير المسلم؛ فلا حجر على الطمع في كرم الله تعالى بل ذلك أمر مشروع ووجهوا قوله -سبحانه وتعالى-: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ} [التوبة: 113]، فأناط الله حرمة الاستغفار بكون المستغفَر له قد تبين أنه من أصحاب الجحيم، ومفهوم ذلك أنه إذا لم يتبين للمستغفِر ذلك فلا مانع من الاستغفار. وفي القرآن "وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ" لقد شهدنا على ذلك من خلال علاقتنا بغالب الشعب الألماني الذي يتعاطف مع الشعب السوري.

 

وفي جانب آخر وضع الله تعالى أدباً كريماً للجدال بيننا وبين غير المسلمين كمايقول الإمام عبد المتعال الصعيدي: (يقف به عند حد الجدال المقبول، ولا يدخل به في باب المهاترة والخصومة، لأن الإسلام لم يأت ليثير خصومة بين الناس، وإنما أتى لإرشادهم بالتي أحسن)[2]. كما أن وطن المسلم كرامته ولم نجد كرامة لنا في غير هذه البلاد من حرية اعتقاد وخصوصية هوية ومن عميق الفتاوى العلمية بل من أرشدها للإمام علي القره داغي مانبه إليه حول الإقامة في بلاد الغرب وما يتمتع به المسلم من حريات عامة أكبر بكثير مما يوجد في بلاد العرب والمسلمين وهو بذلك نقل العقل المسلم من التصادم إلى العيش المشترك.[3]

 

كما ذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز ابتداء المسلم بالسلام على غير المسلم فأخرج الطبري من طريق ابن عيينة قال يجوز ابتداء الكافر بالسلام لقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين) وقول إبراهيم لأبيه (سلام عليك).. وقال البيهقي بعد أن ساق حديث أبي أمامة أنه كان يسلم على كل من لقيه فسئل عن ذلك فقال (إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا) هذا رأي أبي أمامة[4]. ويرى د. حاكم المطيري (لا يمنع من ابتداء أحد بالسلام من غير المسلمين إلا في حال واحدة وهي حال الحرب، حتى لا يكون أمانا، تترتب عليه أحكام الأمان، أما ما عدا ذلك فيستحب إفشاء السلام على كل أحد مسلم كان أو غير مسلم، كما جاء عن أكثر الصحابة الذين ورد عنهم قول في هذه المسألة رضي الله عنهم)[5]. لكن من أين نشأت فكرة الحساسية من الدعاء لغير المسلم؟

 

نحن مسئولون عن النظر في أنفسنا؛ لأن الذي يعجز عن معرفة نفسه، وما فيها من العجائب والغرائب، لا أمل له في أن يعرف نفس سواه، وهو إنْ فكر في الحكم على غيره، فإنما يجوب البيداء في الليلة الظلماء

إن تحويل الدين إلى فزاعة سلوك ماهر تحيده سلطات منطقتنا التي حملت أمراضها إلى كل من عاش معها حتى وإن فارقهاوغادر وتوظف السلطات كل شيء من تراث وفن ودين لشيطنة الآخر وإطلاق أحكام تعميمية عليه مع العلم أن لفظ الآخر ليس له معنى واحد فالآخر: هو المحكوم في الأمير، حيث يسدى (مكيافللي) النصح العاقل للحاكم الذي يواجهه "لؤم المحكوم" و"جبنه" و"خبثه".

– الآخر: بصفته حاكماً مستبداً لدى (جورج أورويل) (1984) أي الأخ الأكبر، وعينه الضابطة.

– الآخر: رب العمل عند (ماركس) في رأس المال ووسيطة في الاستغلال، فائض القيمة.

– الآخر في الدين: وكل الأوضاع التي قامت لتثبيته، سلماً أو حرباً، بين كل دين وآخر، أو داخل أبناء الدين الواحد نفسه.

– الآخر في الجنس: وهو يقسم العلاقة بين المرآة والرجل.

– الآخر في السياسة: كقوة عظمى ندية تنافس نظيرتها في السيطرة على البقية غير العظيمة من بلدان العالم.

– الآخر في الجغرافيا: بصفته شرقاً وغرباً، تبعاً للموقع الجغرافي، وهو كثير التداول.

– الآخر: الأقرب إلى التصور الصوفي، حدده الفلاسفة على أنه "غير المفكر فيه" والواجب سبر أغواره حتى بلوغ "العين".

– الآخر: هو الأجنبي، تنظر (كرستيغا) إلى الأنا بالنسبة للآخر، مثل الخصائص الفريدة في كل شخص مفرد، و"الآخر" ليس أكثر من "أجنبي" و"خارجي". (فيلهو هارلي، 1999 : 55).

وهكذا يتبين أن الآخر يقدم نفسه كل مرة في كينونة مختلفة، تبعاً للرؤية التي ينظر منها صاحب هذا التعريف. حيث لا يحتمل الآخر دالاً واحداً في كل مرة، بل يتبدل هذا الدال عند كل واقعة تبعاً للحال التي يتم منها التطرق إلى الآخر. ساعد على تقزيم الآخر هيمنة التاريخي الديني على المعنى الديني المحرر من رهق السياسة وفتاوي الأزمات. نحن مسئولون عن النظر في أنفسنا؛ لأن الذي يعجز عن معرفة نفسه، وما فيها من العجائب والغرائب، لا أمل له في أن يعرف نفس سواه، وهو إنْ فكر في الحكم على غيره، فإنما يجوب البيداء في الليلة الظلماء.

إن العالم لا يرتقي بالأفكار المجردة وإنما بالنماذج المجسدة فكيف يستقيم معنى دين الرحمة ومعنى ورحمتي وسعت كل شيء ونحن نوغل في العيش في كهف ذواتنا ونفصل معاني الدين وفق أمزجتنا وإملاء السياسي لا كما يحب ويقول ربنا ويرضى…

 —————————————————————————————————————————–
مراجع:

[1] عرفات ماضي شكري اللجوء في التراث الإسلامي ومنظومة القانون الدولي والعربي ص٦٦

[2] مقالات الإمام عبد المتعال الصعيدي منشور على النت.

[3] فتوى صوتية نشرت على موقع الإمام علي القره داغي .

[4] الإعلام بدراسة حديث (لا تبدؤوا المشركين بالسلام) مقال منشور.

[5] الإعلام بدراسة حديث (لا تبدؤوا المشركين بالسلام) مقال منشور.