"صفقة القرن" وحق العودة.. الحكاية من البداية

blogs ترامب ونتنياهو

منذ أن عكفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إعداد خطة للسلام في الشرق الأوسط لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي في 2017، تبين لكل ذي عقل أن القضية الفلسطينية في طريقها للتصفية بأياد عربية، ومخططات أميريكية إسرائيلية، إلا أن البعض منا كان يرفض ذلك الطرح بالرغم عن صحته، ويتمنى أن يخرج أحد القادة ليقلب الطاولة، ويعلن موقفا مخالفا يخلد ذكراه بين شعبه، إلا أن ذلك تبدد رويدا رويدا وتلاشى تمام بعد ردود الأفعال الرسمية من قادة الدول عقب الإعلان عن الصفقة مؤخرا.

ومرت الأيام واجتمعت العصابة في مؤتمر البحرين الذي أطلق عليه آنذاك "ورشة عمل السلام من أجل الازدهار بهدفِ التشجيع على الاستثمار في الأراضي الفلسطينية"، وطرح جاريد كوشنر صهر ترمب والعقل المدبر لخطة للسلام في الشرق الأوسط رؤية البيت الأبيض لإحلال السلام من منظور أمريكي، غير مبال بأي آراء عربية، أو مكترث لمجرد سماع ما يخالف رؤيته، وجاءت الدعوة للزعماء العرب لاكتمال المشهد كما هو معد مسبقا. مثل هذا المؤتمر الذي عقد على في 25 و26 يونيو العام الماضي، بمشارك دول عربية منها السعودية ومصر والأردن والمغرب، صدمة كبرى للشعوب حول العالم، لا سيما وأن الخطة التي قُدمت عبر 200 صفحة شملت تصفية مقنعة للقضية بأكملها، وذلك ما أكده موقف كوشنر المعادي صراحة لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، والذي شكك في تصريحات صحفية في قدرت الفلسطينيين على حكم أنفسهم وإدارة شؤونهم.

وسط كل هذه المزايا التي منحت لدولة الاحتلال، طالبت واشنطن الفلسطينين بالموافقة على الصفقة في مقابل توفير مليون فرصة عمل، ووعد بالقضاء على الفقر ورفع الناتج القومي للاقتصاد المحلي

الدعوات للمؤتمر منذ البداية أثارت الجدل في الأوساط العربية، وعبرت بعض الدول على استحياء رفضها الحضور والمشاركة خوفا مما تشمله "صفقة القرن" من بنود من شأنها ضرب القضية وإنهائها على أرض الواقع، بينما أعلنت دول عدة مشاركتها في ورشة عمل البحرين معللة أنها تشارك في عرض المنافع الاقتصادية التي يمكن أن يجلبها اتفاق سلام". وانتهى المؤتمر وسط سخط شعبي عارم، وخرجت جموع المواطنين في فلسطين وبعض الدول، لتعلن رفضها للمؤتمر جملة وتفصيلا، فيما أكد البعض أن هذه الصفقة ما هي إلا شو إعلامي، وأن ما حققته إسرائيل على أرض الواقع لايحتاج أي صفقات فهي منتصرة، وتسيطر على مقدرات الفلسطينين، والاستيطان في توسع، والمسجد الأقصى تحت سيادتهم وكذلك المناطق الدينية، فلذلك لا يوجد "صفقة قرن"، وكثير منا ذهب إلا ذلك الطرح.

وبعد أن انقضت الأيام أعلن ترمب خطة الولايات المتحدة للسلام في الشرق الأوسط، والمعروفة باسم "صفقة القرن"، وذلك خلال مؤتمر صحفي بحضرة رئيس الوزراء الإسرائيلي في 29 يناير (كانون الثاني) ليكرس السيادة والسلطة في يد اسرائيل، ويغلق ما يثار عن حق العودة ويمنع التظاهرات المستمرة المطالبة بحق الشعب الفلسطيني، التي أزعجتهم كثيرا، وكذلك يوقف استهداف إسرائيل سياسيا أو إعلاميا أو عسكريا. وعمدت الصفقة التي غفلت التبعات الخطيرة لإجراءات إسرائيل وأمريكا الأحادية، إلى فرض حقائق جديدة على أرض الواقع، وإبعاد العالم عن فكرة التمسك بحل الدولتين على أساس حدود 1967، فهي تضع حدودا جديدة على الجميع الموافقة عليها، بمن فيهم الفلسطينين مقابل امتيازات يتكفل بها العرب لصالح دولة إسرائيل.

ترمب عبر صفقته المزعومة كرس لسيطرة إسرائيل على معظم الضفة الغربية المحتلة منذ أكثر من 5 عقود، وأكد حقها في ضم الكتل الاستيطانية الضخمة في الضفة الغربية، وأبقى مدينة القدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية، ما يمثل صفعة للإرادة العربية التي تنادي بأن تكون القدس الشرقية عاصمة فلسطين. وبالرغم عن أن الصفقة تلزم الحكومة الإسرائيلية بوقف النشاط الاستيطاني أربع سنوات -وهي الفترة الممنوحة للحكومة الفلسطينية لإقرار الدخول في مفاوضات مع الاسرائيلي- إلا أن رئيس الوزراء نتنياهو أعلن تقديمه اقتراحا للكنيست، لضم منطقة وادي الأردن الاستراتيجية ومستوطنات أخرى إلى إسرائيل، ما يجعله أول من يخل ببنود الصفقة قبل تطبيقها.

وعززت تلك التصريحات صحة الرؤى التي تؤكد أن الصفقة وما سبقها من ترتيبات دولية بمشاركة عربية، لا تهدف إلا لسلب الفلسطينيين وطنهم، وإغلاق المطالبة بحق العودة، وإخماد صوت الضمير العربي الذي يحلم بفلسطين حرة. ولم يغفل سيد البيت الأبيض ضرورة إسكات أصوات المنادين بقدس عاصمة لفلسطين، عبر منحهم عاصمة تحمل اسم القدس في مكان ما، وتكون بعيدة تماما عن مدينة القدس وتضم بعض الضواحي التي استغنت عنها حكومة إسرائيل، وذلك في الوقت الذي ستبقى فيه عاصمة إسرائيل المعترف بها دوليا كما هي، وتستمر حكومة نيتنياهو في فرض السيطرة على الحرم الشريف والأماكن المقدسة وضمان حرية العبادة للمسلمين والمسيحيين واليهود والديانات الأخرى.

ووسط كل هذه المزايا التي منحت لدولة الاحتلال، طالبت واشنطن الفلسطينين بالموافقة على الصفقة في مقابل توفير مليون فرصة عمل، ووعد بالقضاء على الفقر ورفع الناتج القومي للاقتصاد المحلي، عبر توفير 50 مليار دولار -مجمعة من الدول العربية- بهدف إنفاقها في البنية التحتية والاستثمارات المتنوعة، على مدى 10 سنوات، ليس لفلسطين فقط بل لدول مثل الأردن ومصر ولبنان. ولم تكتفي الصفقة بتمكين دولة الاحتلال من أركان فلسطين ومقدراته، بل اشترطت عدم السماح للفلسطينين من تشغيل أي ميناء في غزة في المرحلة الأولى، وأسندت الحكومة الإسرائيلية استيراد وتصدير المواد والمنتجات التي يحتاجها الشعب خلال السنوات الخمس الأولى التالية للموافقةعلى صفقة القرن.

وبعد ذلك التعدي السافر على حقوق الفلسطينيين وتمكين دولة الاحتلال، لم تستطيع أغلب الدول العربية أن تصدر بيانا ترفض فيه ماجاء في بنود الصفقة، بل رحبت بعض الدول بها وهاجمت الرافضين، واعتبرت ان تحركات ترمب تأتي كخطوة إيجابية في حلحلة الصراع العربي الإسرائيلي، ولا ندري من أي زاوية فهم هؤلاء أن بنود الصفقة عادلة، ولكن ندري أنهم لا يملكون من أمرهم شيء فهم مسيرون لا مخيرون. وأخيرا تبقى الإرادة الشعبية الحرة هي القادرة على الصراخ في وجه البيت الأبيض وسيده وأتباعه، لتعلن الشعوب رفضها لبنود "صفقة القرن" التي تعزز نفوذ دولة الاحتلال، وتقضى على حلم العودة الذي يعيش الفلسطينيون في المهجر والمنفي منتظرين تحقيقه، وتبقى الأرض عربية وحق العودة مؤجل إلى حين.