شعرتُ بالماضي وبالعمر ينفلت مني، هكذا خُيّل إلي، وأنا أسترجع مرارة تجاربي أمام تلك التي اختارها قلبي، ما تنطوي عليه أسرارنا وذكرياتنا لا نقوم بتعريته تماما، نُعرّيه بالطريقة التي تناسب نوايانا، وتتعدد خيباتنا رغم كل ما نحققه من إنجازات، هكذا قال أنير في اللحظة التي تذكّر فيها سره الأكبر، والذي لم يقوى على الاعتراف به حتى لنفسه، وقد شعر أخيرا بأنه قد حان الوقت لاستكشاف هذا السر الكبير، ولعل ما يسكنه تجاه تتريت، فرض عليه أن يقول كل شيء، وأن يعترف بأكثر الأسرار اختباء، لم يجد غير التحرر من كل ما يثقل كاهل ضميره، والحق أن التحرر من محكمة الضمير أعقد مما نظن، لقد تورطنا في الضمير من حيث لا ندري، فصارت قسوته تُنهكنا في كل مرة نحاول فيها أن نلوذ إلى أنفسنا بجرائمنا.
يعتقد أنير أن ما ارتكبه جريمة تستحق الغفران من الرب، ذلك أن إنقاذ إنسان من الحياة، من حياة مليئة بالمعاناة، هل تكون خطيئة في نظر الرب؟ أم أن ضمير أنير الذي اكتسبه بفعل تربيته الدينية، جعله ينظر إلى الأمر على أنه خطيئة مهما وضعنا لها من مبررات، سيأتي يوم وندفع ثمنها، يبدو أن إيمانه المحفوف بالأخطاء ورّطه في تفكير يتنافى مع المنطق، فصارت رؤيته إلى الأمور محكومة بالجزاء والعقاب، بعيدا عن الواقع الذي يفرض أن نرى من خلاله نسبة الأذى التي يمكن أن تترتب عن خطايانا، فإذا كان ارتكاب جريمة -لو كانت جريمة حقا- سينقذ شخصا من محاكمة المجتمع، وسينقذ شخصا آخر من تجربة العيش في عالم غارق في المعاناة والظلم والحروب، وقد ينقذ شخصا آخر من التورط في مشاكل قانونية، مع العلم أن ما حصل كان أنير مسؤولا عنه رفقة خليلة تدرك باقتناع طبيعة ممارستها معه، فذلك أبعد من أن نعتبره خطيئة، وقد تكون الأمور في نظر البعض تستوجب أن ننظر إليها من الزاوية التي يُحلل فيها المجتمع ما يشتهي ويحرم فيها ما يريد.
| نتورط في الآخر بشكل كبير، كلما اكتشفنا أنه يبادلنا العديد من الاهتمامات، لم تكن مريم أنثى عادية في نظر أنير، كانت تخبئ بالإضافة إلى أنوثتها البارزة، شخصية قوية، أجبرتها الظروف على الاستسلام |
لم تكن مريم تتوقع أن ارتباطها بأنير سيترتب عنه حمل، سيُعقّد من علاقتهما، وسيكون سببا في المزيد من المشاكل بينهما، لم يجدا غير الفراق حلا لأزمتهما العاطفية، وهو فراق جاء متأخر بعد أن أصلحا ما كادت تُدمره غريزتهما، لكن يكفي أنها ورّطتهما في حمل اقتنعا بما يكفي أن لا مكان له في هذا الوجود. في المقهى الذي يرتاده أنير التقى بمريم، هذا المقهى تأتي إليه الفتيات اللواتي يريدن التحرر من سلطة المجتمع، وهي سلطة تبرر كل شيء لصالح الرجل، وتدفع بالأنثى إلى الهامش. هناك تتظاهر هؤلاء الإناث بممارسة الحرية في أبشع صورها، يخالفن الطقوس التي يفرضها المجتمع على الأنثى. هناك اكتشف أنير بالصدفة مريم، في اللحظة التي اقتربت فيها من إنهاء سيجارتها الثانية، وبينما كان أنير منشغلا بالبحث في حاسوبه، طلبت منه مريم قلما، ولعل جلوسهما المتكرر في نفس المقهى، جعلهما يشعران بأنها لم يعودا غريبين في نظر بعضهما البعض، بالرغم من أنهما لم يتحدثا مسبقا، وفي اللحظة التي كانت سببا في تواصلهما، حدث نقاش جميل بينهما، وهو الذي كان سببا في كل ما سيجمعهما لاحقا.
بمجرد ما ارتفعت نظرات أنير في وجه مريم الشاحب، الوجه الذي أفسدته الهموم، رغم أنها لا تزال تحتفظ بحروف جمالها، ولم يكن أنير مكترثا لعمرها، يبدو أنها تكبره بعدة سنوات، لكن ما تنطوي عليه همومها، جعل أنير فضوليا لاستكشافها، وهذا الاستكشاف سيترتب عنه ما يخرج عن نطاق تعقلنا، وذلك في اللحظات التي نستسلم فيها لغريزتنا. ما يجمع أنير بمريم لم يكن حبا ولم يكن حتى صداقة، كان انغماسا مجهولا، لم يجد أنير كيف يفسره، لقد جذبه شيء في مريم لم يعرفه بعد، ولعل ذلك كان متبادلا بشكل غريب، استسلمت بدورها لهذا اللقاء، واستسلمت للنقاش الذي قرر أنير أن يفتعله ليغذي فضوله الذي يدفعه لاستكشاف ما يخبئه شرود مريم المعتاد.
يبدو أن هذا الانجذاب الكبير محكوم بغموض لم يجد أنير بما يفسره، كان انغماسا مجهولا، فنظراته خلال نقاشهما الأول، تفسر ما كان يستجمعه أنير تجاه مريم في اللقاءات التي ظلا يرتادان فيها نفس المقهى دون أن يتعرفا على بعضهما بعد، فشرودها وتدخينها الذي يتجاوز حدوده، ورّط أنير في مريم، وجعله لا يفوّت عليه فرصة التعرف عليها في أول فرصة تسمح له بذلك، ومنذ ذلك الحين صارا يجلسان مع بعضهما في نفس المقهى، وهناك اكتشفا أن ما يجمعهما أصعب من أن نربطه بهموم الحب، ولا بانفعالات الصداقة، هناك أشياء أخرى جعلتهما يشعران بأنهما وُجدا ليكونا متنفسا لبعضهما البعض، من هموم هذا الوجود المليء بالخيبات. أحيانا ما يجمعنا بالآخرين قد يكون أعقد من الحب ومن الصداقة، هناك أشياء لا نقدر على تفسيرها، نتورط في الآخر، عندما نجده يشاركنا همومنا ومشاكلنا، وعندما يختبر نفس تجاربنا، ويعيش على غرار إخفاقاتنا.
لم يكتفي أنير ومريم بالمقهى كمكان للقاء، لقد اقترح عليها أن يذهبا إلى المنزل الذي يكتريه، ليناقشا ما بقي لهما، وليستكشفا بعضهما أكثر، لم يكن أنير يعني بهذا الاقتراح ممارسة الجنس، بل كانت نيته صادقة إلى الحد الذي جعل مريم تصدقه وتقبل دعوته بكل فرح، لكن ما تخبئه اللحظات التي تجمع رجلا بامرأة، قد لا ينتهي كما نخطط له، قد يتطور ذلك أكثر مما نتخيل، وبكل ثقة قبلت مريم هذا الاقتراح، لعلها اشتاقت لهذه اللحظات، ولعلها تريد أن تزيح عن قلبها المزيد من الهموم، فأنير يحسن الإصغاء إليها، وفي حضرتها يزداد اهتماما بما تقوله، لعله يريد أن يجعل من قصتها بداية لعمل روائي لطالما كان يفكر في تأليفه، يبدو أن أنير تورط فعلا في مريم، وبقدر ما كان مهتما بقصتها، بقدر ما وجد نفسه يضحي بانشغالاته، ليعطي لمريم المزيد من الوقت، يريد أن يكتشف منها المزيد، لأن فضوله الذي دفعه أول مرة للتأمل في شرود مريم، لم يكن عاديا، كان تأملا يستعصي على الوصف، لعله شعر بها قبل أن تتوطد علاقته بها. أحيانا لا نأخذ مشاعرنا حيث نشتهي، فقط نتركها على سجيتها، لتختار لنا ما قد يريحنا، وما يحصل بعد ذلك نتقبله بكل مسؤولية.
نتورط في الآخر بشكل كبير، كلما اكتشفنا أنه يبادلنا العديد من الاهتمامات، لم تكن مريم أنثى عادية في نظر أنير، كانت تخبئ بالإضافة إلى أنوثتها البارزة، شخصية قوية، أجبرتها الظروف على الاستسلام، لكنها لا تزال تحتفظ بقوتها، وتخبئها للحظات التي تستدعي ذلك، وأنير كان معجبا بهذه الصلابة، لقد أعدّ أنير عشاء مناسبا لحضرة مريم، وكان النبيذ الأحمر وقنينات الجعة جزء من هذا العشاء، ثم استقبل أنير بكل شغف رفيقته مريم، وقد عبرت عن إعجابها بهذه الدعوة، لا ندرك ما يدور في نوايا الآخرين، إلا بعد أن نختبرهم. بما أنهما مختليان ببعضهما، كان طبيعيا أن يستمتعا بوقتهما، لكن ما حدث بينهما كان أرقى مما يظنه المجتمع بخصوص هذا الاختلاء.
لقد كانت نية أنير تهدف إلى استكشاف خبايا مريم، وكانت بدورها مستعدة لتفتح له ما يدور في قلبها، لكن ما يستشعره اثنان وهما يحسان ببعضهما البعض قد يولد عناقا مثلا، وهذا العناق بمثابة فخ يدفع بنا نحو الآخر بكل رغبة، هذا ما شعر به أنير وهو يعانق مريم، في اللحظة التي بدأت فيها بالبكاء. لقد كان عناقا مفعما بالرغبة، وهي رغبة أكدت أن هناك نار مشتعلة بينهما، كانا يحتاجان فقط لهذا الشعور لكي يستسلما للحظتهما، وهكذا فضح هذا العناق ما كان يخبئانه من نوايا، لعلها كانت تدرك أن لقاءها بأنير في المنزل سيكون مشتعلا، ولعلها كانت ترغب في ذلك، ولعله أيضا كان يضع احتمالا لذلك، فنحن البشر تحكمنا غريزة نتطلع إليها باستمرار، يكفي فقط أن نجد شخصا قادرا على مشاركتنا إياها كما ينبغي. وما جاء بعد العناق كان لحظة قوية جمعتهما بكل مشاعر، ثم إن النبيذ دفعهما لممارسة الصراحة بكل تلقائية، وبعيدا عن وعيهما التام، مارسا الجنس دون تفكير، فلما باغثهما الصباح أدرك أنير أنه من المحتمل أن تصير مريم حاملة منه، وهو الاحتمال الذي سيصير حقيقة بعد أن مضى شهر على لقائهما هذا، لم يجرب أنير قط هذه التجربة، لكن صديقه التي اختبرها وجد له حلا ينهي به ما قد يتورطان فيه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

