أحداث العالم في كفة يدي

blogs حزن

"من المنطقي أن أفضل دمار العالم بأسره على أن يجرح أصبعي"

الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم

    

كان في سنته الجامعية الرابعة، وقد كان يدرس الهندسة، ومضت الأيام لتصل به إلى عثرات عديدة منعته من إكمال دراسته في الوقت الطبيعي، ألا وهو الخمس سنوات! وقد سئم من حديث النفس هذا والذي كان يتجسد على شكل جلاد كما في السجون، ماذا حصل؟ ولماذا آلت الأمور لهذه المأساة -في نظره على الأقل- ولماذا لم أكن كما كان أقراني؟ أسئلة للجلد وللتوبيخ! ولم يكن بوسعه غير الأسئلة! فقد ضاقت الأرض عليه بما رحبت

  

وآخر قد تخرج بامتياز مع مرتبة الشرف، وقد انغمس في التبريكات والتهاني على هذا الإنجاز العظيم! ولعلها قد طالت إلى حد أنسته ما به من ضيق وتخبط! ويستقبل الهدايا من أخ أو أخت، وقبل من أبيه وأمه -على أقل تقدير- ويكتظ البيت بالضيوف، ويجمع تحت سقفه كافة الأقارب! وفي هذه الأثناء، يهرب لغرفته ويغلق بابها، فهم لا يعلمون أن الأرض قد ضاقت عليه بما رحبت.

   

وأخرى قد تجاوزت الثلاثين، ناجحة في عملها، وعلى مدار ثلاث سنوات نراها موظفة الشهر المثالية، جادة في عملها، تنجز المهام دون كلل أو ملل، لا تتوانى البتة! فقد حولت حياتها إلى عمل في عمل، نرى من حولها يتساءلون ويهمسون لماذا وكيف؟ وتجيبهم هي بسؤال كان قد سيطر كما فعل العمل، هل ضاقت الأرض علي بما رحبت؟

   

يعمل ويجد ويشعر أنه لا يملك الوقت الكافي للإحاطة بكل التفاصيل! ديون قد أثقلته، وكان قد ودع النوم منذ فترة لسداد هذه الديون، يتعب ويكد! يركض ويلهث! ويتمنى نهاية لهذه التراجيديا -على الأقل في نظره- وفي ليلة صافية والبدر في تمامه، صرخ صرخة قطعت أوتاره! وتنهد بعدها ليبكي في هدوء! ولا تتعجبوا أيها السادة، فقد ضاقت الأرض عليه بما رحبت.

     

فلماذا علي أن أكون صاحب قضية مركزية؟ ولماذا علي أن أؤمن بشيء وأناضل وأموت في سبيله؟ ومن هو الذي يحمل الصواب في رأيه؟ المتشرنق داخل مشاكله وعالمه؟ أم صاحب القضايا المركزية الكبرى؟

ليس الهدف هو إثبات صحة ما قال ديفيد هيوم في بداية المقال، بل الهدف هو إسقاط ما قاله على الواقع، ومقاربة بين ما قاله وبين ما يحصل فعليا على أرض الواقع، وحتى وإن كنا ندعي عكس ما يحدث معنا، وقد ذكرت رؤوس أقلام لهذه القصص القصيرة لبشر مختلفين احتملوا أحداثا مختلفة ولعلها وقعت في ذات الوقت مع اختلاف المكان، وكان هذا العرض اليسير من باب توضيح هذا التقارب.

    

في جميع هذه القصص هناك عامل مشترك أحاط بالشخصيات، وقد تجلى في العبارة التي قمت بتكرارها: "ضاقت عليه الأرض بما رحبت"، ومن هذه العبارة نستشف أن الإنسان بطبيعته يتشرنق حول نفسه في حالاته العصيبة على وجه الخصوص، وفي حالات الراحة أيضا، ولكن الضيق يجعل الإنسان يتطرف في هذا التشرنق! ويجعل منه مختزلا محضا لأحداث العالم من حوله في قالب من صنعه هو فقط، فيصبح لا يرى غير مصائبه ومشاكله، وكأن العالم استحال في كفة يده فقط، فكل ما يحدث في هذا العالم هو شيء عابر لا معنى له في مقابل مشاكله وضنكه!

   

ومن هذا المنطلق وهذه الفلسفة -إن صحت التسمية- ينتج لدينا أصحاب التضحيات بلا أدنى شك، ففي كل تصور هناك نتاج للاستثناء، وهناك نتاج للاختلاف، وفي هذا التصور المتمثل بالشرنقة، سنرى من يرى أحداث العالم وينغمس فيها ناسيا مشاكله تماما، ونراه يحمل قضايا الأمة على كاهليه، وكثير منهم من يقضي نحبه في سبيل هذه القضايا، والأمثلة كثيرة على هذا ومنها ما هو إسلامي، ومنها ما هو شيوعي، ومنها ما هو مادي عدمي… سيد قطب، مالكوم إكس، الشيخ عبدالله عزام، الشيخ أحمد ياسين، والشيخ الرنتيسي….، ولدينا تشي غيفارا كشيوعي نبيل بلا شك، ونرى هتلر وموسوليني كماديين مجرمين، ولكنهم قضوا في سبيل إيمانهم بفكرة ما!

   

وهنا يدور الخلاف دائما، فلماذا علي أن أكون صاحب قضية مركزية؟ ولماذا علي أن أؤمن بشيء وأناضل وأموت في سبيله؟ ومن هو الذي يحمل الصواب في رأيه؟ المتشرنق داخل مشاكله وعالمه؟ أم صاحب القضايا المركزية الكبرى؟ وهل هذا المتشرنق صاحب قضية أيضا؟ فهنالك الكثير ممن ينظر إلى هذا الطرح بمنظور نسبوي أو نسبي، ويرى أن كل شيء يعترض الإنسان هو قضية، والإنسان هو من يحدد كونها مركزية أم لا؟ والقضية المركزية في نظر أحدهم ستكون عابرة في نظر آخر كما أسلفنا القول في ثنايا هذا المقال وهذه المحاولة.

   

تكثر المقولات المأثورة في هذا الصدد، if you don’t have something to live for. Find something to die for، وتختلف الصيغ والمعنى واحد، والقائل هنا مارتن لوثر كينغ على ما أذكر، وبالنهاية هي وجهات نظر وآراء مختلفة وعديدة، ولن نرى إجماعا لنسبية المسألة المتطرفة في النسبية، ولكن، أرى أن التحيز لشيء هو حتمي ولا مهرب حقيقي منه، فحتى المعارض لعدم اتخاذ قضية ما هو بالتالي متحيز "لعدم الاتخاذ" هذا! وسنراه في المحافل والندوات متمسكا برأيه! يناقش هذا! ويحاجج ذاك!

   

تبقى المسألة غير محسومة إلى هذه اللحظة، وهذا الحسم لن يرى النور -في رأيي- بعيدا عن الإيمان! نعم الإيمان، فمن أراد التضحية فلا بد من الإيمان، والإيمان هنا هو إيمان بالله أو بقوة عليا تحكم هذا الكون، وإسلامنا هو الأسلم في هذا الإيمان لأن كل شيء حتى وإن كان صعوبات ومشاكل هو لله، فهو القائل: "فاصبر وما صبرك إلا بالله"، في نظري الإسلام هو الشريعة الوحيدة التي أسست للقضايا التي ناقشتها منذ برهة في المقال. فمهما كانت قضاياك، ومهما كانت مشاكلك سيكون الإسلام هو الحل، وسيكون هو الخلاص! فإن افترضنا غياب الإسلام وبالتالي غياب الإيمان فلم المعاناة أصلا؟ ولم التضحية؟ وقد تساءل الفيلسوف العملاق علي عزت عن غاية الشيوعية الفاقدة للإيمان، فقد كان يقول نضال شيوعي إزاء ماذا؟ فلم كل هذا والصميم هو عدم في عدم؟!

  

قمت بعرض أفكار مماثلة لما كتبت هنا في أول مقال لي هنا على منصة الجزيرة، وحاولت هنا أن أعزز هذه الفكرة شيئا فشيئا، فلطالما أرقني مفهوم الحرية ومفهوم التمركز حول شيء، وفي كل مرة تأتيني هذه الأفكار تراني أتوصل إلى نفس النتيجة! فكأن الأفكار تأبى أن تكون إلا لله -إن استعرنا الغزالي- وتأبى العدمية والمادية، وستظل تواقة لله، وهاربة إليه. رحم الله سيد قطب الذي قال: "الجميع سيذهب إلى الله بعد مماته، فالسعيد الذي يذهب إليه في حياته".