كورونا إيران.. الولاية أهم من الوقاية

رغم كون انتشار فيروس كورونا بات على وشك أن يتحول لوباء يتهدد العالم ويرجح أن يصيب ما بين 40 إلى 70 في المائة من سكان الكرة الأرضية وفقا لتقرير نشرته مجلة ذا آتلانتيك الأمريكية، إلا أن التفاوت في نسب التفشي وحصيلة ضحاياه في مناطق بعينها يدفعنا للتقصي عن الأسباب، حيث أن دولا تجاور الصين "بؤرة الفيروس القاتل" مثل تايون وروسيا والهند وأفغانستان وباكستان سُجلت فيها أعداد إصابات تعد ضئيلة بالنسبة لإيران التي حازت المرتبة الثانية في عدد الوفيات بعد الصين، وهو ما يوحي بأن تقصيرا قد جرى في إجراءات السلامة التي توجب اعتمادها لحماية الشعب الإيراني وسكان الدول المحيطة والذي يأتي بالتزامن مع تصريح لمنظمة الصحة العالمية أكدت فيه أن أغلب تهديدات فيروس كورونا في منطقة الشرق الأوسط لها علاقة بإيران، وهو ما يجعلنا ملزمين في البحث والاستكشاف وربط تدرج الأحداث بعضها ببعض.

 

لم يكن الأمر ليثير الشبهات بشأن وجود إهمال متعمد ومحالات للتعتيم لولا إطاحة هذا الفيروس بعدد ليس بالقليل من المسؤولين الإيرانيين الكبار وبعض المعممين والذي من المفترض أنهم يتمتعون بنظام حماية صحي عالي، فكيف هو الحال مع المواطنين العاديين الذين معظمهم لا يجدون قوت يومهم وبالتالي فإن سبل الوقاية لديهم شبه معدومة، صحيفة ذا أستار الكندية نقلت عن تحليل أولي أجراه باحثون كنديون أكدوا فيه أن العدد الحقيقي لحالات الإصابة بالفيروس في إيران أكبر بنحو 200 مرة مما أبلغت عنه السلطات في البلاد، والغريب أن تلك الإحصائيات بدأ الحديث الرسمي عنها بشكل مقتضب وخجول قبل يومين من الانتخابات البرلمانية الإيرانية والتي وصفت بعبارة إنها "بعض" الإصابات بفيروس كورونا في مدينة قم جنوبي طهران، لتتصاعد وتيرة التصريحات بعد يوم واحد من الانتخابات التي جرت الجمعة الموافق الـ21 من شباط وسط عزوف شعبي عن المشاركة فيها اعتبر الأكبر منذ عام 1979.

 

إيران ما زالت مصرة على إبقاء بوابتها الغربية باتجاه العراق مفتوحة على مصراعيها برا وجوا وبحرا في ظل إرادة حكومية منزوعة الصلاحية في بغداد

أعداد الإصابات الكبيرة واتهام النائب عن مدينة قم "أحمد أميريبادي فرحاني" للسلطات بالتأخر في الإعلان عن الحصيلة، أثار الشك بشأن كون الأمر قد كان مبيتا وبقرار رسمي في تأجيل الإفصاح عن الحقائق وعدم نشر الذعر بين أوساط المجتمع خوفا من فشل الانتخابات التي يعول عليها المحافظون للإبقاء على مكاسبهم التي تراجعت كثيرا في الآونة الأخيرة.

 

تتميز إيران بتطور قطاعها الطبي وهو ما جعلها مركز لاستقطاب وتوافد سكان المنطقة للعلاج والتداوي فيها، وبالتالي لم يعد مبررا لديها سبب الانتشار السريع للفيروس، أو حتى التذرع بأن العقوبات الأمريكية كانت سببا في عدم توفر الإمكانيات لغرض اتخاذ سلسلة الإجراءات الوقائية اللازمة، خاصة وإن شركات الأدوية الأوروبية لديها إعفاءات من الولايات المتحدة لتزويد إيران بالدواء.

 

المساع التوسعية لنظام طهران وانفتاحه على المعسكر الشرقي وإصراره على تأمين وتفعيل ما يعرف بطريق الحرير بدءا من الصين ووصولا لشواطئ البحر المتوسط كان له أثر واضح في سرعة انتشار هذا الفيروس، فمدينة قم التي تضم 1.2 مليون شخص، تستقبل آلاف المسافرين من رجال الأعمال والزائرين وطلبة العلوم الدينية من جميع أنحاء العالم ويعتقد أن بضع مئات من هؤلاء الطلاب هم مواطنون صينيون من المرجح أن فيهم من كان ناقلا للمرض وفقا لصحيفة الفايننشال تايمز البريطانية، بل وذهبت الصحيفة إلى أبعد من ذلك مؤكدة أن انتشار هذا الفيروس في العراق المجاور لإيران سيكون مدمرا لهذا البلد الذي يعاني أساسا من شبه انهيار بنظامه الصحي بعد عقود من الحروب والحصار وفساد سياسي مستشر انعكس سلبا على تطوير وبناء البنى التحتية له.

 

ورغم كل ذلك، فإيران ما زالت مصرة على إبقاء بوابتها الغربية باتجاه العراق مفتوحة على مصراعيها برا وجوا وبحرا في ظل إرادة حكومية منزوعة الصلاحية في بغداد خاصة وإن جهات حزبية في العراق بدأت تنتفع من شبح الرعب الذي بات يخيم على الناس بسبب هذا الفيروس وباتت تروج لوجوب إنهاء التظاهرات المناهضة للعملية السياسية بذريعة فض التجمعات خشية انتقال العدوى وإن كان البديل بقاء سلطة لم يكن كورونا ليجد بيئة ينتعش فيها لولاها.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة