بوتين الديكتاتور الذي لا يشيخ

blogs بوتين

تؤكد عديد الوقائع التاريخية استراتيجيات وضعها قادة وملوك حكموا بالصورة المعدلة، مستغلين جوانب محددة في نفسية العامة من الشعب المحتاجين دوما لما يشعل خيالهم حول الملك أو الزعيم، فسيكولوجية المجموعة المحكومة تتمحور دوما حول التغني بقوة الحاكم وكأنهم يعشقون قوته في حد ذاتها حتى لو كانت تستغل ضدهم، غافلين عن أن الاضطهاد السياسي لن يكون بالضرورة الاعتقال والقتل والتضييق على الحريات، بل أيضا التكريس لتلميع صورة الحاكم باستمرار في شكل رسائل مستمرة موجهة لتكميم أي منتقد ومواجهته بالصورة، التي تفتن الأغلبية، والأغلبية ديمقراطية، بالرغم من تفاهة الإغراق في تبريز قوة الزعيم الدي لا يقهر.

 

الديكتاتور عادة أو لزاما شخص مهووس بمظهره، فكل التحليلات النفسية التي أجريت تقول بذلك، ويستميت في الحفاظ على مظهره، وأي مظهر يهمه أكثر من إبراز مواطن قوته، وكلنا نشاهد صورا لحكام وهم ينظرون شزرا بأعين تكاد تبعث ليزر سوبرمان، نظرات تهديد للجميع بالتأكيد، مثلما فعل جوزيف ستالين عام 1950 عندما أشرف على إنتاج فيلم سقوط برلين، ستالين حسب ما كشفت وثائق الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي حينها كان يشرف على كل عمليات الدعاية الخاصة بصورته.

 

وتظهر المشاهد النهائية لسقوط ألمانيا النازية، أثناء الحرب العالمية الثانية، لحظة توقف عندها التاريخ عام 1945، الجنود السوفيت فوق الرايختساخ مقر حكم هتلر الذى انتحر لتوه، وفجأة وبينما جنود العالم حول مقر الحكم النازي، تظهر طائرة في السماء، ويجرى الجنود من كل أنحاء العالم، تجاه هذه الطائرة مرحبين بالبطل الموجود فوقها، إنه جوزيف ستالين، البطل الرشيق طويل القامة جميل الوجه، لكن ستالين بعدما شاهد الفيلم وافتتن به، قال للمخرج: ليتني كنت هناك، لكن المشهد صدقه الروس سنوات عدة.

 

العداوة المتأصلة بين هتلر وستالين جعلتهما أكثر زعيمين استغلا الدعاية في الترويج الداتي لهما وليس فقط لأفكارهما، فبعدما وقع جوزيف جوبلز من هدية من السماء على هتلر ودربه على الخطابة حسب ما ظهر في صور عرضت في باريس للمصور الرسمي لهتلر هنريك هوفمان، أقيم في مدينة مونبلييه الفرنسية، أحد أساليب الدعاية النازية لهتلر، خلال 200 صورة، وعرضت الصور في الجناح الشعبي المجاني لمعرض مونبلييه في فرنسا، والصور اختيرت من بين 12 ألف صورة التقطها خلال الفترة بين 1924 و1945، كشفت كيف تمت صناعة الديكتاتور النازي، وطرح جيل مورا المدير الفني للمعرض نماذج على تلك الصور، فعلى سبيل المثال خلال زيارة موسيليني الفاشي الإيطالي إلى ميونيخ، عام 1937، أظهرت الصور أن هتلر يسير بالمقدمة لعكس صورة ذهنية أن النازية هي الرائدة للفاشية، فيما كشف نيجاتيف الكاميرا أن المصور الألماني أجرى تعديلاً على الصور، لتوصيل ذلك المعنى، بينما كان موسيليني وهتلر يسيران على المستوى نفسه.

     undefined

  

يلفت الانتباه في استخدام أشرس ديكتاتورين حديثين في العالم للصورتهما غيابهما البدني المرئي بسبب النقص الفادح في التركيبة الفيزيائية لكل منهما، إذ يقول باحثون كتبوا سيرة ستالين أنه كان ينتعل أحذية عالية ليظهر طويلا ويضع مساحيق على وجهه لإخفاء آثار الجدري الدي أصيب به في شبابه، لكن الديكتاتور المتحايل على الديكتاتورية إن صح التعبير فلاديمير بوتين، ساعدته تكنولوجيا اليوم وتطور الإخراج السينمائي في الترويج لصورة الحاكم الذي لا يشيخ.

 

في أعقاب توليه حكم روسيا لم يكن بوتين قادرا على الظهور على شاشات التلفاز والتصرف بأريحية أمام عدسات التصوير، فقد نصح من مقربيه مرارا بتعديل مشيته التي تشبه مشية من يريد الدخول في عراك مع أحدهم، لذلك قام بتعيين غليب بافلوفسكي، المسؤول على الترويج لصورة الزعيم الجديد، وكانت أولى النصائح لبوتين من مستشاره الجديد، يجب أن تظهر قوتك كما أوردت ذلك صحيفة الغارديان، وفعلا ظهرت أول صورة للقيصر عاري الصدر على ضفاف نهر سيبيريا، عام 2007 وعنونت إحدى الصحف الروسية الصورة: كن مثل بوتين، ومند ذلك الحين أصبح الرجل القوي يظهر وهو يصطاد النمور ويركب الخيل ويرفع الأثقال، وأصابت خطته هدفها بعد افتتن به الرأي العام الروسي، وأصبح القوي الذي يستطيع حماية الأمة.

 

بالرغم من السقطة الدعائية السخيفة في سنة 2011 عندما ظهر وهو يغطس في البحر الأسود ويخرج جرة أثرية ويهزها تحت الماء مما أثار سخرية كبيرة بسبب أن الآثار قد اكتشفت فعلا قبل ذلك بأسابيع، لكن التركيز المهول لنشاطات القيصر البدنية جعل منه بطلا حقيقا لدى الشارع الروسي، فالرجل لا تستعصي عليه مشقة، ولم تتعبه 19 سنة في الحكم، وكأنه فعلا لا يشيخ، ويعزى نجاحه في ذلك بسبب ابتعاده عن الصورة النمطية التي انتهجها نظراؤه ومنهم العرب الذي عادة ما تلتقط لهم الصور وهم يحتضنون العجائز أو الأطفال، بل ذهب مباشرة لهدفه، تحتاج حاميا ها هي القوة.

 

يبدو أن قوة بوتين لم تلهب خيال الداخل فقط بل عملت عملها في الخارج وخصوصا في الغرب المنافس التقليدي لروسيا إذ صرح وكيل وزارة الخارجية الأمريكي السابق في عهد أوباما ريتشارد ستينجل بأن دونالد ترامب معجب جدا بفلاديمير بوتين لأنه كما يصفه قوي وحاسم، وهذا ما اعتبره ستينجل أكبر نجاح للكريملين في الترويج لقوة بوتين لتفعل ذلك في ذهن رئيس دولة عظمى منافسة إن لم تكن معادية، الصورة تخاطب كل البشر، المتعلم والأمي، الصغير والكبير، وتكسر حاجز اللغات، لذلك فهي سهلة الوصول لهدفها، وغير مكلفة، وليست بتعقيد الكلمة والفكرة، من أجل ذلك انتشر المثل المشهور الذي يقول: إن الصورة تساوي ألف كلمة.