هل المعضلة الأمنية ستقودنا لحرب بين الصين وأمريكا؟

blogs بحر الصين الجنوبي

في ظل نظام عالمي فوضوي. ينتشر فيه انعدام الثقة بين الدول التي تقدم مصلحتها على كل شيء، لنجد أنّ كلُ دولة تعتمد على ذاتها منّ أجل الحفاظ على بقائها، فتسعى لزيادة قوتها، وهذا ما تقوم به الصين من الاستمرار في زيادة قوتها، فهي لا تثق بالولايات المتحدة الأميركية، لهذا لمّ تكتفي الصين بتحقيق قوة ردع، بل تسعى لتحقيق توازن عسكري معها، وفي المقابل تسعى أمريكا للحفاظ على بقائها على رأس القوى الدولية. ينتشر الحديث عنّ حربٍ عسكرية بين الصين وأمريكا، فما هي المعضلة الأمنية وهل ستكون سبباً في جعلنا نشهد حرباً صينية أمريكية؟ أمّ أنّ عقلانية الفواعل" الدول" ستحول دون وقوعها؟

 

إنّ انعدام الثقة الناتج عن النظام الفوضوي وعدم وجود سلطة عليا ضابطة؛ خلقت أزمة أمنية تتجسد باستمرار التهديد، وببساطة يمكن تعريف المعضلة الأمنية: هي زيادة قوة دولة على حساب الدول الأخرى، أي تعظيم قوة دولة ستكون سبباً في إضعاف قوة دولةٍ أخرى، وهنا ستلجأ الدول الأخرى إلى زيادة قوتها لتقلل التهديد وستحاول إضعاف القوى التي صعدت. وبمثال لتقريب الصورة: صعود (أ) سيضعف ويهدد (ب) لهذا ستقوم (ب) بتعظيم قوتها من أجل تقليل التهديد من (أ) كما أنها ستسعى إلى إضعافها، وهذا ما قد يقود إلى حدوث حربٍ في النهاية بينهما.

 

تمتلك الصين قوةً عسكريةً قادرة على ردع الخطر. حيث تمتلك السلاح النووي، كما أنها قادرة على الضربة الثانية، وخاصة مع زيادة امتلاكها صواريخ عابرة للقارات قادرة على ضرب عمق الولايات المتحدة الأمريكية، لكن نلاحظ أن الصين تستمر في تعظيم من قوتها العسكرية وخاصة النووية، برغم امتلاكها قوة الردع النووي، وهذا يظهر بشكل واضح في العروض العسكرية الصينية، لتظهر صواريخ عابرة للقارات وذات جيلٍ جديد وصواريخ نووية مطورة، وهنا يطرح سؤال لماذا تستمر الصين في زيادة قوتها العسكرية؟ ببساطة أنها تريد تحقيق توازن في القوة العسكرية" النووية" مع روسيا وأمريكا، لكن لماذا تريد ذلك؟ أعتقد أنها تريد أنّ تكون الأقوى، وتريد أنّ تتجاوز الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديا وعسكرياً، فهذا هو الضامن الأفضل لتحقيق البقاء، وهو أنّ تكون هي الأقوى.

 

برغم امتلاك أمريكا أضعاف ما تمتلكه الصين من الرؤوس النووية إلا أنّ الصين تمتلك ما يحقق لها قوة رادعة حقيقية، حيث تمتلك صواريخ عابرة للقارات قادرة على حمل الرؤوس النووية

إنّ استمرار زيادة القوة العسكرية للصين والإصرار على ذلك، مقلق للولايات المتحدة، فهي لا تريد أنّ تكون الصين ذات قوة منافسة لها عسكرياً، وخاصة أنها منافس اقتصادي كبير جداً حيث تحتل المرتبة الثانية اقتصادياً، فأمريكا تريد أن تستمر على عرش دول العالم، لهذا لنّ تقبل بتاتاً بصعود الصين عسكرياً، فهل سيكون هنالك مواجه مُستقبلاً؟

 

من منظورٍ تاريخي، أي إن رجعنا إلى التاريخ سنرى أن المواجهة منطقية، فهل التاريخ سيعيد نفسه؟ حيث أنّ هنالك حروبٌ وقعت بسبب تصاعد قوة على حساب الدولة الأخرى، ليكون المؤرخ ثوسيديديس من أوائل من تحدث عن الحرب الناتجة عن الخلل في توازن القوى، ليتحدث عن الحرب البيلوبونيسية التي بدأت 431 ق.م واستمرت حتى 403 ق.م، التي كانت ما بين أسبرطة وأثينا، حيث أن أسبرطة أقدمت على الهجوم على أثينا التي أظهرت التقدم في القوة العسكرية والتمدد الاستعماري، بعدما كانت تهتم في الجانب التجاري والاقتصادي، إذاً السبب في وقوع الحرب بين أسبرطة وأثينا هو سعي الثاني لزيادة قوته العسكرية مما دفع الأول لخوض حرب معه من أجل وقف تقدم قوته العسكرية.

 

التاريخ حافل في الحروب التي كانت بسبب تصاعد دولة على حساب الدول الأخرى" المعضلة الأمنية". لكن بيئة النظام الدولي اليوم تختلف عن السابق، وذلك بسبب أمرين: الأول هو التقدم في التجارة الدولية، لتزداد المصالح الاقتصادية بين الدول، والثاني تطور المنظومة النووية وانتشارها بعددٍ من الدول.

 

الصين تحتل المرتبة الثانية كقوة اقتصادية عالمية لتكون أمريكا في المقدمة. فتمتلك كلا الدولتين حقلاً من الاستثمارات الأجنبية، فتعتبر الصين ثاني دولة استقبالاً للاستثمارات الأجنبية، لتكون أمريكا هي الدولة الأولى لجذب الاستثمارات الأجنبية، وكما أن الطرفين لديهم تبادل في الاستثمارات بشكل هائل، لنجد أن الصين وأمريكا مغرقتان بالتبادل التجاري الكبير، لهذا إنّ حدوث حرب بينهم ستسبب أزمة اقتصادية كبيرة جداً لطرفي الصراع، بل للعالم كله، كما أن حدوث مشكلة اقتصادية في أي من الدولتين سيلحق أثراً اقتصادياً عالمياً، فمثلاً الآن ينتشر قلق في الأسواق المالية العالمية؛ بسبب انتشار فايروس كورونا في الصين. إن حدوث حرب بين أمريكا والصين لمّ ولنّ تقبله أي من الدولتين، وإن قبلت به الحكومة لن يقبل به الشعب ولا الشركات الخاصة، التي سيظهر بها الضرر بشكل مباشر، لهذا يعتبر تطور التجارة الدولية سبباً في منع حدوث حرب بين الدول.

  

برغم امتلاك أمريكا أضعاف ما تمتلكه الصين من الرؤوس النووية إلا أنّ الصين تمتلك ما يحقق لها قوة رادعة حقيقية، حيث تمتلك صواريخ عابرة للقارات قادرة على حمل الرؤوس النووية، وتستطيع أن تصيب العمق الأمريكي، لهذا إن الطرفين يمتلكان القدرة على الضربة النووية الثانية " قادرة على ردع الضربة النووية الأولى"، لهذا إنّ خوض حرب عسكرية بين الصين وأمريكا، يعني احتمالية استخدام السلاح النووي، وهذا يعني دمار الطرفين، لهذا إن عقلانية الفواعل ستحول دون أن يصل الصراع إلى حربٍ عسكرية بينهم.

 

وفي النهاية إن المعضلة الأمنية الناتجة عن عدم وجود ثقة بين الدول، قادت في النهاية إلى وقوع حروب طاحنة ما بين الدول، إلا أنّ اليوم يختلف عن السابق بسبب التقدم في التجارة الدولية، وظهور السلاح النووي والقدرة على الضرب الثانية من قبل الدول التي تمتلك هذا السلاح، وبرغم صعود الصين وإصرارها على زيادة الترسانة النووية، إلا أنّ أمريكا لنّ تستطيع أنّ تخوض معها حرب لإيقافها؛ وذلك بسبب التبادل التجاري والاستثمار الضخم بين الطرفين، وكما إن امتلاك الطرفين القدرة على الضربة النووية الثانية ستحول دون اللجوء للحرب.