فن المهرجانات.. الواقع المدان

اشتهرت في فترة العشرينيات أغان كثيرة خفيفة الظل ومعتقة الولوج في شؤون النزوات والرغبات والشراب واللهو، واشتهر بها العديد من الشعراء والمطربين أمثال "سلطانة الطرب" منيرة المهدية و"شيخ المؤلفين" محمد يونس القاضي، كانت لأغاني العشرينيات وما قبلها بقليل نكهة خاصّة، ذات مياعة ودلاعة ورخاء حينًا، مثل الكثير منها وأشهرها "إرخِ الستارة اللي في ريحنا" لمنيرة المهدية، وأغاني تنبش الممنوعات مثل أعمال سيّد درويش التي كتبها بديع خيري التي تنفض الغبار عن المسكون عنه مثل أغنية "الكوكائين" وأغنية "التحفجية".

  

وقع الكثير من كبار المطربين بل ومن روّاد الطرب والأغنية الشرقية بمطب هذه الموجة، فأصدرت كوكب الشرق أغنية "الخلاعة والدلاعة" سنة 1926 من كلمات يونس القاضي، شيخ المؤلفين ومؤلف النشيد الوطني الحالي لجمهورية مصر العربية، ولم تكن الوحيدة، فقد ساير الموجة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب كذلك بأغنية "فيك عشرة كوتشينة" ولم يتوقف عبد الوهاب ولم يتخذ خطوات صارمة مثلما فعلت أم كلثوم بأغنيتها "الخلاعة والدلاعة" التي سحبت جميع أسطوانتها من السوق وأبدل كلماتها أحمد رامي إلى "الخفافة واللطافة" مخففًا بذلك وطأة الانحطاط التي اعتقدته أم كلثوم ورفاقها وجمهورها في الأغنية، كرر محمد عبدالوهّاب الاتجاه بأغنياته إلى دعوة اللهو والسكر والمرح، وأصدر أغنية شهيرة سنة 1951 واجهتها الرقابة بالمنع، هي أغنية "الدنيا سيجارة وكاس" من كلمات حسين السيّد.

  

الكثير من الأمثلة التي لا يمكن ذكرها كلّها، من مطربين فاقوا حد السحاب إلى مطربين كانت لهم أحكامًا بالانحطاط من الجمهور والسمّيعة المحافظين، وكلّها تمر وتنتشر في خط زمن الأغنية العربية إلى يومنا هذا، من الطقاطيق إلى المهرجانات، يمكننا القول بأن هذه الأغاني تحتكم بكلماتها التي يصفها النقّاد بالمنحطة -مع التحفّظ على هذا الحكم- بأنها كانت وما زالت تعبّر عن واقع قوّي ما، واقع حقيقي جدًا يعيش بيننا وفي أذهاننا، واقع اللهو وإشباع الغرائز، ولا يمكن الهروب منها إلى غيرها من واقع خيالي آخر بمنعها أو محاربتها، فهي ولو أننا لا ننتمي إلى واقعها تحفر وتنخر في أسبابها حياتنا وتعشش بين أزقة أسلوب حياة المجتمع، هنا أو هناك.

     

   

ليست هذه الأعمال الفنيّة شعرًا أو لحنًا أو أداءً منحصرة في مصر، بل هي موجودة في كل العالم العربي، محاربة من الجهات الرسميّة، ومعززة من جهات أربع في الأوساط الشعبيّة، من سمّيعة العوام، فلم تكن "السلطانة" منيرة المهديّة في أغانيها تبتدع أساليب حياة جديدة، ولم يكن يونس القاضي يحلم خيالات بعيدة عن الواقع، بل كانوا أكثر الناس اندماجًا بالأوساط الشعبيّة، وبالأفعال العامة، ومنذ تلك الأحيان وما قبلها بكثير امتلك الفنّ خصوصيّة باهرة في التعبير والانتشار، كونه يصل بكلّ يسر وسهولة إلى الجميع دون تكليف، فعبرت من خلاله الأخبار والحقائق والأفكار والعواطف والقصص والأساطير.

  

وكما الأمس هو اليوم، ففنّ ما يسمّى بالـ"مهرجانات" في مصر هو اندلاع حقيقي من جسد الواقع، بل أكثر من ذلك، وألفاظه التي لا يمكن وصفها بأقل من كونها جزء من واقع الشارع المصري والعربي، لست هنا أدافع عن شيء ما، ولا عن لون غنائي بذاته، ولكني أحبذ كشف الواقع بصورة كاملة دائمًا، لمعرفته، سواء كان من جانب الفنّ أو غيره، واليوم ينتمي شباب المهرجانات للكشف عن هذا الواقع، فهم الأصدق، وبين جميع مجاميع الفنّ والطرب الرومانسيون، هو فنّ العوام من ينتمي للواقعية الغنائية، في بجاحته وصراحته، وفي خبثه وفي لونه الفاقع، بعيدًا عن ضبابية الخيال، وعن تنميق العواطف وكذبها.

   

نعيش اليوم عصرًا شبابيًا بامتياز، بلون واضح، وتمرد شجاع، وخروج عن الماضي وهذا ما يفعله الفنّ دائًما، آلة الزمن ومحرّكه، ولولا الفنّ وتطوّره لما كان للتاريخ اختلاف، إذا رفضنا ما نصفه بالانحطاط يكون الأولى رفضه من الواقع، وليس انعكاسه، إذا رفضنا "الخمور والحشيش" يكون الأولى رفع أسبابها وليس أعراضها.

   

للفنّ يظل الظهور والبروز وانكشاف الحقائق والوقائع، وليس هناك في اعتقادي أبدًا فن هابط وفن رفيع، بل هناك ألوان كثيرة للفنّ، وأجملها يدوم ويخلّد، وهذه أسرار الفنّ، في خلوده، وفي بقائه، والحكم الوحيد في ذلك هو المدان بذاته، هو الفنّ من يحكم على نفسه بالبقاء أو الزوال، ويبدو مع ذلك أن للرقابة الفنيّة المخلقة فهم بالآداب العامّة الخيالية، وفهم بعيد عن أدوات الفنّ ومهامه، فهم تجّار فنّ وأخلاق في الغالب، وسلطة فقيرة في فهم الفنون وأهميتها، ولو أن للفنّ مشوّه وحيد لكان من يضع شروطًا لاختلاق الإبداع وقوانينًا له.



حول هذه القصة

لا يوجد مبنى مثالي، يصلح لكل بيئة في العالم ، لكل موقع ظروفه الخاصة به، والمبنى يصمم تبعا لموقعه والمناخ السائد، فالمعماري يضيف الى الطبيعة ما يتناسب معها.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة