مصالي الحاج.. ثائر أم خائن؟

إذا بحثت في تاريخ الثورة الجزائرية أو الحركة الوطنية ستقف مطولا أمام اسم مصالي الحاج، عراب الفكر الثوري في الجزائر والأب الروحي لأبرز الشخصيات التاريخية التي فجرت ثورة نوفمبر المجيدة، وقد أثارت شخصية مؤسس حزب الشعب أو أبو الوطنية كما يعرف عند الجزائريين جدلا واسعا في كتابة التاريخ الجزائري المعاصر، وقد كان موقفه من ثورة التحرير نقطة سوداء في تاريخ الرجل وصلت لدرجة تخوينه وتصويره عدوا بارزا للثورة وللجزائر.

 

مصالي الحاج الذي كان يرى في نفسه زعيما قوميا يستأثر بالفكر الثوري، وله الحق في اختيار الظروف وتاريخ بداية العمل المسلح ضد المستعمر الفرنسي، ويشاع عند كتاب التاريخ وقراءه أن جنون العظمة دفعه إلى أن يرفض رفضا قاطعا أن يخرج من صلبه شباب ثوري يكتبون تاريخ الجزائر بقناعاتهم الخاصة وقرارتهم الشخصية دون الدخول تحت عباءة الولاء لمن علمهم أبجديات النضال الثوري.

 

ورغم أن حزب الحركة الوطنية الجزائرية والذي أسسه مصالي الحاج في السنة نفسها لاندلاع ثورة التحرير يعتبر جناحا موزايا خلق صراعا مباشرا مع جبهة التحرير الوطني إلى غاية الاستقلال، إلا أن الكثير من المؤرخيين يعتبرون أن تهمة الخيانة التي ألصقت بمصالي الحاج، تهمة غير منصفة وباطلة، لأن دوره ولو بطريقة غير مباشرة في وضع أسس الثورة الجزائرية لا ينكره إلا أحمق أو جاحد، وخير دليل على ذلك أن الأحزاب والتيارات السياسية التي أنشأها بداية من حزب نجم شمال أفريقيا وصولا إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية كان وقودها الفكري الثوري ومرجعيتها الوحيدة الاستقلال عن فرنسا، على عكس بعض التيارات والشخصيات التي كانت تنادي بالإدماج والإصلاح ولبست بعدها ثوب الكفاح المسلح، من أمثال فرحات عباس والذي تقلد منصب أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة وغيره.

 

سيبقى مصالي الحاج بحسناته وأخطائه شخصية بارزة في التاريخ الجزائري، وسيبقى لقب أبو الوطنية ملازما لاسمه

مصالي الحاج الذي رفض دعوة الجنرال ديغول للتفاوض حول الاستقلال سنة 1960 لمعرفته أنها نية مبيتة لضرب الثورة، ولأن المؤرخ خائن وتحري الموضوعية في كتابة التاريخ مسؤولية علمية وأخلاقية، فإن الكثير من مزايا الرجل وسلبياته لا يمكن أن تقرأها في كتب التاريخ أو مذكرات من عايشوه، وما يجب أن تعرفه أن شخصية مصالي الحاج تعرضت للكثير من التشويه والتجريح بطريقة ممنهجة، رسخت في أذهان الأجيال صورة سلبية عن صاحب مقولة "هذه الأرض ليست للبيع، الجزائر"، واختلافنا مع مواقفه لا ينفي أنه شخصية قومية بارزة في تاريخ الجزائر.

 

ولم نكن هنا في مقام لإسقاط تهمة الخيانة عن مصالي الحاج أو لتبييض صورته، لكن تناول قضايا تاريخية بهذه الحساسية دعوة إلى كتابة التاريخ الصحيح للأجيال القادمة، لأن تزييف تاريخ الأمة هو تزييف لحاضرها ومستقبلها أيضا، وما عايشته في الجزائر من أزمات سياسية منذ الاستقلال هو نتاج لعدم كتابة التاريخ بموضوعية، لأن المؤرخ المأمور بهمسات من سيطروا على السلطة صنع أبطالا من سراب، وخون من أرادوا تخوينه ومجد من أرادوا تمجيده.

  

وفي الأخير سيبقى مصالي الحاج بحسناته وأخطائه شخصية بارزة في التاريخ الجزائري، وسيبقى لقب أبو الوطنية ملازما لاسمه، وما صنعه من اتهموا الرجل بالخيانة بالجزائر بعد الاستقلال أكبر خيانة وجريمة لأمانه الشهداء، ومصالي الحاج ليس الشخصية الجزائرية التاريخية الوحيدة التي تعرضت للتشويه، لذلك فالتاريخ يحتاج دائما لعين ثالثة لقراءته، لأن التاريخ الحقيقي لم ولن يدرس في المناهج، والتاريخ الذي يعرفه العامة كتب على المقاس وقد ظلم العديد من الأبطال الذين تحولوا بجرة قلم إلى خونة، ومن وضعوا على هامشه يستحقون أن يكونوا في وسط الصفحة، ومن يحتلون صدر الصفحة يستحق الكثير منهم أن يسكنوا مزابله، وتأكد أن الشك بداية النور والمسلمات المطلقة بداية للتقاعد الفكري، فضع التاريخ عند قراءته دائما في ميزان العقل والموضوعية، لأن لغربلة الحقيقة التاريخية تحتاج لقارئ محترف يغوص في مكامنه.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة