الوقت الذي نمضيه في أعمالنا هو محصلة جهد السنين

blogs مجتمع

الوقت لم يتغير … والزمن يمضي بلا رادع، والعمر أصبح كورق الخريف نحاسياً، وورد الربيع مضى من مَطلِ الشباب إلى أودية الكهولة، وفنجان العزم فجراً برد بيدِ المجتهد، ووهج المعرفة قد خفت، فلم يعد يرى كما كان يرى الا من نجى فهو كمن اتبع نوح يوم لم يكن له من الطوفان من مفر.

 

فقبل أعوام كان للجهد رائحة، والطرق مفروشة بالمعرفة، ولليل منامٌ للبعض واغطيتهم سهراٌ من وقت المجتهد، فكان لليل صوتٌ شجي فيه خليط من صوت النصر وصوت عزيمةٍ ممزوجةٍ بالأمل وفي بعض الأحيان أصوات الهزيمة ترفع راية الاستسلام، لكن رائحة غير مألوفة المصدر تبعث كرائحه عرق الآباء المتعبين تشبه رائحة "مسك الشوق" إلى نجاح فتختلط المسافات والامنيات لتعود نشوة الانطلاق ونشيد النصر يسمع من جديد فتعود معه الآمال والأحلام وانتظار الليل الطويل أن ينجلي والفجر أن يأتي.

 

لكن الجهد بقسوتهِ وبُعد مسافات الوصول بغربتها وعيدٌ لم يأذن بعد بفرحته، كان الأجمل مما بعد الفجر، فكأن هناك قطار مسرع يمضي ومقتنيات صغيرة بجعبتهِ وطريقه قاسية وعرة خطرة وقوده الحياة في نجاحاتها وعثراتها وقائده الخبرة في رحلة قطار مضى ويمضي، الوقت الذي يمضيه الطبيب في معالجة مريضه والمعلم في حصة تعليم لتلاميذه والمهندس في عمله وأي صاحب مهنة أو حرفة في مجاله ما هو الا محصلة أعوام من الدراسة واكتساب المهارة وخوض تجارب عديدة منها المصحوبة بخيبات الأمل ومنها ما هو توج بتوفيق من الله بالنجاح

 

نحن مؤهلون أن نحمل عبء المسؤولية التي لم يعطها الله سبحانه وتعالى إلا للإنسان ليعبد الله وليتعلم ويعلم ويعمل ويبدع ويعمر الأرض فالله أودع فينا جميعاً قوة الحياة والعيش

الكثير من أُمور الحياة لا يمكن لنا فهمها الا بعد أن نخوضها بأنفسنا، أو نخوضها رغماً عنا وتقسو علينا بكل مراحلها فلا نعرف سبب الصعوبات التي تواجهنا في وقتها حتى يكشفها الله لنا بعد انقضائها، الجهد والعزيمة والشغف تقسو على صاحبها كما يقسو الخوف والجوع والعوز والألم، فحينها فقط نجد أنفسنا اقوياء، فلا وجود للفشل مع الجهد والشغف بالعلم والعمل، فكلٌ منا خلق لسبب وكلٌ منا مُيّز بأمرٍ ما، لنضيف للحياة شيئاً ونعمرها كما أمرنا الله تعالى، فلكل شخص منا نظرته الخاصة وفهمه المميز الذي يميزه عن غيره، فلم نتعلم ذات العلوم والخبرات ولم نسير على نفس المبادئ والخطى ولم نواجه نفس الظروف، فلكل منا رسمةٌ يرسمها بنفسهِ لنفسه ويؤمن بموهبته وقدراته فيصنع لوحة فنية يظنها الأفضل له وهو على يقين داخلي أنها أكثر تميز .

 

هذه دنيا ما عدنا نعرفها، اهي تسير خلفنا أم نحن من نجري خلفها، فرغم تقدمها الا انها مظلمة إن باتت بلا لوحاتنا الفنية التي تميز شخوصنا، دنيا تأخذ منا الزمن الذي يسرق منا السنين في إعداد لوحاتنا الفنية، ونقوم نحن بعرضها بخمس دقائق، فتمهل أيها الزمن قبل ان تأخذ منا سنين الحياة بالدراسة والعمل وتزيل من ذاكراتنا الماضي الجميل وتنسينا طريقة عيش الحاضر بتفاصيله الصغيرة ذات النعمة المحبة، فخمس دقائق نقدمها لهذه دنيا أخذت وتأخذ منا الكثير، الوقت الذي نمضيه في اعمالنا ما هو الا محصلة جهد سنين، وحياة عشناها بكل تفاصيلها، نضعها بين يدي من يحملها أمانة ويحافظ عليها ليستمر من بعد توقفنا وانتهاء فترة العطاء بتفاؤل وأمل، امتثالاً للفطرةِ التي خلقنا الله عليها "أعمار الأرض" .

 

فالإنسان يخلفُ من بعده إلى أن يأمر الله بقيام الساعة، حقيقة الحياة انه خلقنا الله لنعبده ولنتعلم ولِنعلم من بعدنا مما علمنا الله، كلٌ حسب اهتمامه وتخصصه وكلٌ حسب قدرته وإمكانياته وظروف عيشه بأمانة واخلاص، نحمل الأمانة التي عرضها الله علينا فقال تعالى: (أن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الأنسان انه كان ظلوماً جهولا) صدق الله العظيم.

 

فنحن مؤهلون أن نحمل عبء المسؤولية التي لم يعطها الله سبحانه وتعالى إلا للإنسان ليعبد الله وليتعلم ويعلم ويعمل ويبدع ويعمر الأرض فالله أودع فينا جميعاً قوة الحياة والعيش، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، الوقت الذي يعطيها الإنسان سواء كان طبيب أو معلم أو مهندس أو حرفي من وقته ومن خبرته ومعرفته في العمل والعلم والتعليم والحياة باختلاف قدراته وامكانيته وفهمه لها ما هيه إلا خلاصة حياة بكافة تفاصيلها.