قصتي مع متن السخاوية في المتشابهات القرآنية

المتشابهات القرآنية علم عظيم، وهو عظيم من حيث كونه بداية بأكثر بكثير من حيث كونه نهاية، فنحن نبدأ قراءة القرآن الكريم حسب ترتيب المصحف بالفاتحة ثم البقرة وعندما نصل إلى نهاية الآية السادسة من سورة البقرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ نجد أنفسنا تلقائيا نتذكر الآية العاشرة من سورة يس ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَوربما نجد بأنفسنا ميلاً إلى المضى مع السياق المسيطر على ذاكرتنا التي تحفظ سورة يس لنقول: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ (أي الآية الحادية عشرة من سورة يس بدلاً من أن تقرأ الآية السابعة من سورة البقرة.

 

هذا التشابه يتطلّب من الحافظ يقظة متجددة إلى مواضعه حتى لا يخطئ في السير بين الآيات على نحو ما يخطئ قائد السيارة حين يصل إلى التفريعات ويسلك تفريعة غير التي هي في طريقه أو سياقه، ومن الطبيعي أن يكون القرآن حافلاً بالمتشابهات القرآنية لأسباب كثيرة تتعلق بالسياق والموضوع والنص والتركيب واللغة والحكمة في المواضع التي تستحضر أخواتها وشبيهاتها، ومن الطبيعي أن ينتبه المُحفّظون والحُفاظ على حد سواء إلى أن يضعوا في هذا العلم ما يشبه الكتب والمنظومات والجداول التي تكفل لمن يُلم بها إلماماً جيدا أن يستعين على تذكر الصواب حين يكون من أهل المعاصي الذين تكثر زلاّتهم وأخطاؤهم من أمثالنا، أما الذين يرون بنور الله ونرجو الله أن نكون منهم، ولو أننا أبعد ما يكون عنهم، فإنهم يجدون في سياق القرآن الكريم نورا يهدي القلب فلا يقع في أيّ خطأ، ولا يتشابه عليه أيّ لفظ ولا أيّ معنى ولا على أيّ موضع.

 

لست في حاجة إلى أن أقول إنني كنت أستعين على حفظ القرآن بأنواع متعددة من وسائل التذكير، بيد أن الخطايا كانت دوما أكثر من أن تعالج، ومع هذا فإنني كنت أعرف فيما بيني وبين نفسي مدى بعدي عن طريق الهداية من كثرة أخطائي إذا ما استحضرت نصاً قرآنيا، وبلغ بي الأمر في بعض الأحيان أنني كنت إذا وجدت الصواب شكّكني الشيطان لأنه كان يتغلّب عليّ في كثير من أمري ولم يكن من الصعب عليه أن يفعل بي هذا في تلاوتي لما كنت أتلوه من القرآن الكريم.

 

ورث والدي رحمه الله عن والده عن جدّه "مجموع متون" كان مخطوطاً ومطبوعا بالزنكوجراف على عادة أواخر القرن التاسع عشر وفي هذا المجموع ضمن ما فيه "متن السخاوية في المتشابهات القرآنية"

في جميع أحوالي كنت أعرف ما لم أكن أعترف به بسبب الغرور، وربما أني لم أكن أعرفه حق المعرفة وهو أن النشأة بين أهل العلم كفيلة بأكثر من نصف العلم، وأن النشأة بين أهل الإيمان كفيلة بأكثر من نصف الإيمان، وأن النشأة بين هؤلاء وهؤلاء كفيلة بأكثر من نصف السعادة والرضا، ومع هذا كله فقد كان الغرور بوعود الشيطان يجد إلى نفسي كثيراً من السبل، ولا يزال يجد، وعلى حين كان من المنظور مني أن أتفرّغ لمثل هذه العلوم أو أن أعطيها الجزء الأكبر من وقتي وجهدي، فقد تضاءل ما أعطيته لها إلى حد يستحق لوم النفس وتقريعها، وحتى في هذا اللوم والتقريع فإن الشيطان يجد سبيله عليّ وهو يصورني لنفسي متواضعاً في غير تواضع، وتائباً في غير توبة، ومُنيباً في غير إنابة، أسأل الله الهداية والعافية.

 

ورث والدي رحمه الله عن والده عن جدّه "مجموع متون" كان مخطوطاً ومطبوعا بالزنكوجراف على عادة أواخر القرن التاسع عشر وفي هذا المجموع ضمن ما فيه "متن السخاوية في المتشابهات القرآنية" وهو أشهر المنظومات التي تناولت مواضع التشابه في آيات القرآن الكريم.

 

مرّ بخاطري في منتصف الثمانينات (بعد نشري لكتابي: كلمات القرآن التي لا نستعملها) أن أشرح هذا المتن وأقدمه بطريقة تتناسب مع اللغة المعاصرة أو مع أسلوب القراءة المعاصرة، وترددت في هذا قرابة عامين ثم شرعت فيه في 1986 وانقطعت عنه وعدت إليه، فلما كان 1995 صممت أن أنتهي منه حين حصرت ما لم بنته من مشروعاتي أو مما كنت قد شرعت فيه قبل عشر سنوات، وكنت في أثناء هذه المدة قد استعنت بمخطوطتين متاحتين في دار الكتب المصرية، وفي 1996 دفعت بالكتاب إلى المطبعة، فلما كان على وشك الطبع والصدور توفي والدي رحمه الله فآثر المسئولون في المطبعة أن يؤجلوه لأنهم رأوا أني ربما أكتب فيه شيئاً عن والدي وعن فضله عليّ في تعليمي وعلمي وعلوم القرآن، وكانوا على حق فيما رأوه، لكن هذه الخطوة التي اتخذوها أخرجت الكتاب من قائمة الصدور المتوقع أو الوشيك إلى دوامة الانشغالات التي لم تكف عن تضخمها وقهري مع تكريمي مع مرور الأيام.

 

ومع هذا فقد كان الزمن كالعهد به مفيداً للنص الذي كان جاهزاً للطباعة في 1996 ففي 1997 و1999 زرت مدينة دمشق الفيحاء واستنسخت من مكتبة الأسد مخطوطتين أخرين للمنظومة، وفي القرن الواحد والعشرين صدرت شروح للمنظومة، قوّمت من علمي ومعارفي بها وصوّبت كثيرا من نظراتي وتفسيري، وهكذا كان النص جاهزاً مرة أخرى للطبع في 2015 لكن معقبات النكبة التي أصابتنا امتدت بالطبع إلى النص الذي كان على وشك الطبع والصدور فإذا به هذه المرة لا يؤجل فحسب، وإنما يضيع، وهكذا عدت إلى البروفة الأخيرة التي كانت لا تزال بحوزتي، وبدأت الكتابة للمرة التي لا أعرف رقمها الحقيقي.

 

وها هو اليوم النص قد أصبح في إعداده الأخير، لا أستطيع أن أقول إن ما أقدمه هو شرح ولا هو تعليق ولا هو تعقب ولا هو استكمال، وإنما فيه من كل هذا قدر ما يمكن للقارئ أن يستوعب وأن يبني أحكاماً للذاكرة من أجل الصواب، في إعدادي الأخير للنص هداني الله جل جلاله إلى حقيقة أني لست في حاجة إلى أن أذكر ما يذكره المحققون من أرقام النسخ ولا صفحاتها ولا تصفيحاتها ولا اختلافاتها، فالتحقيق في مثل هذا النص الذي يتعامل مع القرآن الكريم ينبغي أن يقف عند حدود الاحترام للنص الأعظم وهو النص القرآني، أما أن تصور نسخة من النسخ المعنى بلفظ يختلف عن اللفظ الذي صُور به المعنى في النسخة الأخرى فأمر يستحق التسجيل لكنه ليس بالأمر صاحب المحل الأول في مثل هذا المتن مع أن التحقيق هو التحقيق، ومع اعترافي بأن ما فعلته أقرب للقصور لكنه أمر محبب في حضرة القرآن العظيم .

 

ومع أني اجتهدت في أن أؤصل لكل شيء ذكرته أو استنتجته فإني لم أشأ، عن عمد، أن أشغل القارئ بكل ما كان مغريا مما يخرج عن موضوعه الهادف إلى تذكر مواضع المتشابهات والتعريف بينها. ولم أشأ أبداً أن اتطرّق إلى ما يتصل بهذا بمعنى المتشابه والمعاني المختلفة للتشابه ولا إلى ما يتصل بالتشابه من حكمة التشابه وبالسبب في التشابه والسبب في عدم التطابق، ولا إلى ما يتصل بالحديث عن علاقات مؤلف المنظومة علم الدين السخاوي بعلماء عصره وبالسابقين عليه، ولا بشروح منظومة السخاوية على مرّ السنوات.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة