بيرني ساندرز.. هل تنجح الإشتراكية في واشنطن؟

لطالما كان الحلم الأمريكي منتهى أمل الإنسان البسيط، أن يركب إحدى السفن المتجهة إلى شواطئ بوسطن، يدخل بلد الحرية والفرص، ويعيش بقية حياته في ظل دولة القانون التي تحميه وتوفر له ظروف العيش الكريم، لكن هل أمريكا هي جنة الدنيا فعلا؟ هل يرى مواطنو الدولة الأعظم في التاريخ الموضوع من نسف الزاوية؟

   

ربما من الأفضل أن نفسح المجال لبعض الأرقام هنا، في العام 2017 قتل أكثر من 39 ألف أمريكي في حوادث مرتبطة بحمل السلاح، الأمريكيون يموتون حرفيا بسبب مشكلة السلاح المنتشر في الشوارع. لكن أي قانون قد يحد من بيع الأسلحة لا يتجاوز غرف الكونجرس لأن تجارة السلاح تدر بالمليارات على الشركات العملاقة، التي بدورها تعطي للكونجرس حصته من الربح، ليبقى الأمر على ما هو عليه، نعم إنه الفساد ببساطة، زيادة على مشكل الأمن، تعليم جامعي مجاني وتأمين صحي شامل كلها أحلام بعيدة المنال في بلد الأحلام، لنفس الأسباب؛ شركات عملاقة تربح من الطبقة الوسطى، المواطن يطالب بالتغيير، الشركات ترشي صناع القرار في واشنطن، صناع القرار يصوتون لصالح الشركات.

  

بناء على هذه المشاكل بنى بيرني ساندرز برنامجه الانتخابي، ونادي بطريقته الخاصة عمال بلاده كي يتحدوا.. وشرح للأمريكيين أنه من غير المعقول أن يتركوا أكثر من نصف الثروة للقلة القليلة التي لا تزيد على واحد في المئة، وأن تأثير المال على صناعة القرار يجب أن يتوقف، هنا يقدم المرشح فكرة جديدة لتمويل حملته؛ يفتح باب التبرع على موقع الحملة، أغلب المتبرعين يساهم بخمس أو عشر دولارات، ومع آلاف المتبرعين يمكن تمويل الحملة دون الحاجة لأموال الطبقة الفاسدة التي تستردها بشكل أو بآخر على حساب الشعب ومصالحه. وبالفعل في التاسع عشر من سبتمبر 2019، أعلنت حملة ساندرز أنها بلغت مليون متبرع فردي، وأصبحت بذلك أسرع حملة رئاسية في التاريخ لتحقيق مثل هذا المعلم، جامعة ملايين الدولارات.

 

الفيلسوف الكبير نعوم تشومسكي يرى أن حصول ساندرز على ترشيح الديموقراطين سيكون "معجزة" على حد تعبره، لأسباب كثيرة أولها أن معاداة صناع القرار والأثرياء

الخطوط العريضة لبرنامج المرشح الاشتراكي-الديموقراطي تتلخص في: مجانية التأمين الصحي والتعليم الجامعي، ومحاربة التغيير المناخي، ساندرز يرى أن الدول الإسكندنافية هي القدوة هنا، وأن إعادة توزيع الثروة هو الحل الوحيد، ومن غير المعقول أن تنفق الدولة مليارات الدولارات على الحروب في أقصى بقاع الأرض، وتعجز عن توفير تأمين صحي لمواطنيها، يعد ساندرز بردم الفجوة بين أمثال جيف بيزوز وتسيف جوبز، والثلاثين في المئة في أسفل الهرم التي لا تستطيع إكمال تعليمها الجامعي بسبب الفقر، طبعا المشكلة هنا أن الأرقام المطلوبة لإحداث أي تغيير في هذه القطاعات هي أرقام فلكية، لا يمكن توفيرها على الإطلاق، وحتى لو نجح المشرح في الانتخابات كخطوة أولى فسيكون مصير هذه المشاريع مثل مصير جدار ترمب الذي لا يزال ينتظر التمويل إلى اليوم.

 

الفيلسوف الكبير نعوم تشومسكي يرى أن حصول ساندرز على ترشيح الديموقراطين سيكون "معجزة" على حد تعبره، لأسباب كثيرة أولها أن معاداة صناع القرار والأثرياء الذين يسيرون بشكل أو بآخر أغلب وسائل الإعلام تجعلك فرصك في النجاح ضئيلة، خصوصا أن كلمة "اشتراكي" لا تحظى بالكثير من الشعبية في الأوساط الأمريكية. وحتى لو نجح فالكونجرس لا يزال رأسماليا حتى النخاع، والقضاء على شركات البترول والتأمين، والبنوك المستفيدة من خصخصة التعليم الجامعي، والتي تمول أغلب حملات أغضاء الكونجرس ربما يكون حلما بعيد المنال.

 

باختصار ساندرز هو ديمقراطي اجتماعي وتقدمي ومؤيد لحقوق العمال، يؤكد على رفضه لعدم المساواة الاقتصادية وعلى ضرورة الحد من قوة الأثرياء حتى تستفيد الأسر العاملة من الثروة وليس فقط وول ستريت وأصحاب المليارات والشركات الكبرى". وهو يدعو إلى توفير الرعاية الصحية والتعليم العالي المجاني، كلها شعارات جديدة وجذابة، وغير معهودة في الخطاب السياسي الأمريكي، لكن لكي تنجح الاشتراكية في معقل الرأسمالية يحتاج الأمر لأكثر من بيرني ساندرز واحد، وربما لأجيال من النضال لأنه ببساطة في بلد كالولايات المتحدة لتقضي على رؤوس المال تحاج للكثير من المال.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة