الانتماء فرضٌ غير واجب!

إنَّه ذلك الدرب العثر، الذي يسخن الإنسان ترددًا وحيرة، ويضعه في لُجة من فوق لُجة -إن رغبت فيه أو عنه- ستخوضه إلى آخره غصبًا؛ فمن يقدر على الخسف بخصيصة لا يكتمل المعنى بغيرها في عيون الناس، بل من ذا الذي يقوى على العيش دون انتماء، واضح، محقق، سالمًا بغير أن تُلحق به الظنون، وتتخونه النظريات السوداء، التي يفوح منها الحمق، والخطل، كما يفوح من الغث القبح، والعفن، أو هانئًا دون أن تتلبس به النوايا الآثمة، والشكوك التي لا تنشأ إلا من فراغ ومفسدة.

  

الانتماء -أيها القارئ- ليس بجديد على شاب أو شيخ؛ فعليه تتفتح عين الوليد على الحياة؛ إذ يُعرف له جنس، ويُحدد له دين، ويعلق بلسانه ما علق بلغة أهله، إليهم انتمى، ومنهم كان، وهو على قلة حظه في الأفهام، وندرة ذكره على الألسنة لا يبرح أن يطرق بابك كل يوم بل كل ساعة؛ فأي لونٍ سترتدي؟ وإلى محبي القهوة أم الشاي ستنتمي؟ ومن جماعة آكلي اللحوم أم النباتات ستكون؟ وإلى عاشقي الرواية أم الكتب؟

 

وليس بغريبٍ أن تعصف موجة الانتماء الحائر بالإنسان في مطلع العشرين من عمره؛ إذ هي معترك حياته، المحكوم بالسؤال الذي لا ينتهي إلا إلى سؤال آخر، -و‏إن هذه الحياة الحافلة بصنوف الشقاء، وأنواع الآلام، والتي لا يفيق المرء فيها من غمرة إلا إلى غمرة، ولا يئل من عثرة إلا إلى عثرة، لا يُعين عليها إلا عقيدة راسخة، يلوذ بها الحَائِرُ كلما عثرت خطواته، وتداركت عثراته، ويستروح من أعطافها رائحة الجنة كلما ضاق ذرعه باحتمال جحيم العذاب(1)- وما قبلها لا يُعول عليه في بناء عقيدة، أو اختيار منهج، أو تحقيق انتماء، فيه العابر الذي يتلبس الإنسان فيه بما يتلبس به مجاوروه ومخالطوه لا الجليس، المنتقى، المختار، بل عجيبًا أن يهرول الشابُ إلى قالب من قوالب الانتماء الجاهزة البغيضة، التي تختار له لا أن تخيره، وتصنع له لا أن تعلمه كيف يصنع، وهو الذي قد وُهِبَ عقلًا متعطشًا، فتيًا وجسدًا ثابتًا قويًا، ومساحة من العمر خلاقة، متفردة، يتدارس فيها وينازل، ويجرب ويحاور، فما أشقاه -إن سلَّم بالشائع، الفارغ- الغبن قائده، إلى هذه الخيارات السهلة، الخداعة التي تجعله جنبًا إلى جنب مع من يعيش على مذلة، ويحيى على خسف وضيم.

 

الانتماء إلى فكرة، أمر تحكمه العقيدة، وينظمه المنهج، اللذان لا يقف منهما موقفًا قويًا إلا من نزل درب المعرفة قارئًا، متسائلًا، مناقشًا، لا مستقبلًا مرددًا

وإنَّ الشمس لتزول حمرتها عجبًا من أولئك الذين يصنعون تلك القوالب الجاهزة للانتماء ويدعون لها بين الناس، ويروجونها باسم الدين وسيلة، ترويجًا لا ضبط فيه لمنهج واضح ولا لعقيدة مثبوتة، وإنما مثلهم كمن يسرقون الزرع الأخضر من الأرض عنوة ويزرعونه حيث شاء هواهم لا حيث يجب أن يكون في الأرض يقطع سبيله كل صباح نحو رؤية مختلفة، بل إن القمر ليُغفل دوره عمدًا مما يفعل هؤلاء وقتما ينتفض في الإنسان عقله، ويثور على هذه الجاهلية التي يعنو لها العقل، فيصيبه العطب والجمود.

 

إذ يعبر القرآن الكريم عن العقل الذي يفكر ويستخلص من تفكيره وتجربته الذاتية، زبدة الرأي والروية بكلمات متعددة تشترك في المعنى أحيانًا وينفرد بعضها بمعناه على حسب السياق في أحيان أخرى ﴿قُلِ انظُروا ماذا فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَما تُغنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَن قَومٍ لا يُؤمِنونَ﴾ (يونس: ١٠١) (2) وما بال قوم من الناس لا يحسن المرء فيهم من اللغة والدين ما كان يحسنه القاصر في عصر النبوة يجعلون أنفسهم أولياء على الدين، كأن مفاتيح الهداية والإيمان رهن عقولهم الموبوءة، ونفوسهم المحصوبة، فكيف لا يشاهد مسلم دورات المهندس، وكيف لا يلتحق آخر بمجلس لشيخ الترند، وينتمي إلى هذه الدائرة انتماء أعمى.

 

وإن ‏آفة هذه الحقبة، أولئك الذين يعيشون على كفاف الدورات المبتورة، وشظف التعلم المُعلَّب، الذي يخلق طريقًا لكل نزعة مستطردة المنشأ، مُختلقة التأصيل، فما رأينا شابًا ناقدًا خرج من نتفات شيخ الترند، ولا فيلسوفًا من إرهاصات المهندس، ولا كاتبًا بحق من صالونات الأدب الرخيص، ‏كل أولئك المُتلمَذين جهلًا، يتناقلون، ويرددون، لا يفكرون ولا ينقدون، كأن الله قد خلقهم أبواقًا فارغة، لا هي قادرة على صنع الجديد، ولا هي من القديم جامدة؛ إذ تنقل الصوت، وتنشره، في تيه، وافتخار غريب، و‏إن الدعوة التي تقوم على حشد الناس، خلف جملة أو كلمة، هى فكرة محدودة، مرهون وجودها بالتكرار والذكر، مقصور عملها على حقبة أصحابها، وإن مثلها لا يثبت في العقل، ولا يؤصل في العقيدة إلا أن غياب الضوء هو دليل الليل، وانتهاء النهار.

 

إن الانتماء إلى فكرة، أمر تحكمه العقيدة، وينظمه المنهج، اللذان لا يقف منهما موقفًا قويًا إلا من نزل درب المعرفة قارئًا، متسائلًا، مناقشًا، لا مستقبلًا مرددًا تسمع صوت أحدهم في كل جملة يلوكها بين شدقيه، وعليه فإنه كما يقول تاريخنا الإسلامي، لا بد أن يكون للشاب فيما بعد العشرين من عمره، تجربة ذاتية، يقوم فيها بالعناية بعقيدته الدينية، ومنهجه الفكري، ليحقق ويتبين طريق ويختار بعد بحث، وتفنيد إلى أي فكرة ينتمي، بيد أن ذلك لن يغيب هذه المعضلة تمامًا؛ إذ يبدو أن أمل الإنسان في الخلاص من الحَيْرَةِ، عارضٌ من الآمال قد أخلف ودقه، وأن هذه النفس البشرية محصوبة بها مهما استُوصف لها، حتى أن صبر من لا يتضعضع لمض النوازل قد بدا ضربًا من المعاياة، ما يلبث أن يستكين حتى تتخونه في أمر جديد، يرهقه منه ما يُعال به صبره نشغًا وألمًا.

————————————————————————

  

هامش

 (1) مصطفى لطفي المنفلوطي، مجلة الرسالة.

 (2)عباس العقاد، التفكير فريضة إسلامية.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة