النوم في العسل

تصاحب أحمقان في طريق فقال أحدهما لصاحبه تعال نتمنى على الله عسى أن يستجيب لنا وبذلك نقطع الطريق في الحديث فلا نسأم استحسن رفيق دربه الفكرة فبادر أحدهما قائلاً أتمنى على الله أن يرزقنى قطائع غنم أنتفع بوبرها ولحمها ولبنها، فرد الثاني وأنا أتمنى على الله أن يرزقني قطيعاً من الذئاب أرسله على غنمك فلا يذر منها شيئاً ألجمت الدهشة صاحبه ثم راح يعاتبه: أهذا حق الصحبة أهذه حرمة العشيرة وتطور الأمر فتصايحا وتسابا وتلاعنا حتى أمسكا بالأطواق وارتضيا بعد ذلك أن يُحَكِّما فيهما أول المارة، فطلع عليهم شيخٌ يركب حماراً عليه زِقَّان من عسل، فحكيا له ما وقع بينهما، فما كان من الرجل إلا أن أخذ الزقين وفتحهما وأسال عسلهما على الأرض وقال: أراق الله دمي على البطحاء كما يسيل ذلك العسل إن لم تكونا أحمقين، قال الراوي (الإبشيهي ) فكان أحمق الثلاثة، وردت الواقعة في كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف ".

 

لن يبخل أحدنا بمقارضة الراوي رأيه بذات الرأي، فلن يريق ماله وثمين ما يملك إلا أحمقاً أعزكم الله، لكن دعونا ننظر في مرآتنا ونسأل سؤالاً هل نحفظ الثمين دون إهدار أم أننا نريقه بلا طائل؟ إذا أعملنا المنطق لنعرف ما أغلى ما نملك، ماذا سيكون الأثمن؟ ربما كانت قصة ابن السماك مع الرشيد هي المنارة التي تدلنا طريق الإجابة.

 

دخل ابن السماك على الرشيد يوماً فبينما هو عنده إذ استسقى ماء، فأتى بقلة من ماء فقال لابن السماك عظني، فلما أهوى بالماء إلى فيه ليشربه قال له ابن السماك: على رسلك يا أمير المؤمنين أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو منعت هذه الشربة فبكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب، هنأك الله، فلما شربها، قال له: أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو منعت خروجها من بدنك فبماذا كنت تشتريها، قال: بجميع ملكي، قال ابن السماك: إن ملكاً قيمته شربة ماء وبولة لجدير ألا ينافس فيه! فبكى هارون.

 

كم من الكتب كان من الممكن أن تقرأ، أو من الأعمال أن تنجز، أو العلوم أن تحصل، أو الخدمات أن تؤدى ، لك أن تتخيل أن عدد الساعات التي يعوزها الدارس لنيل البكالوريوس أو الليسانس في حدود خمسة آلاف ساعة على الأكثر

هذا ملك من ملوك الدنيا آثر افتداء الحياة بكامل ملكه الذي بلغ حداً كان يقول فيه للسحائب: أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك، فالحياة قطعاً هي أغلى ما نملك، تلك الحياة التي قد يبذل المرء ماله كله لشراء أيام إذا أصيب بمرض، وما الحياة إلا ثوان ودقائق وساعات نهدرها بلا فائدة ولا مقابل، كثير منا حاله حال صاحب الزقين يسكب العمر دون أن يعبأ بتبعات ذلك الخطأ.

 

دعيت إلى عيد ميلاد أحد الأصدقاء مرةً، وانتابتني فكرة أثناء رؤيتي للفرحة الغامرة التي تكتسي بها وجوه الحاضرين أثناء احتفالهم لا أدري لم تذكرت قول الشاعر  إِنَّا لَنَفْرَحُ بِالْأَيَّامِ نَقْعَطُهَا … وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الأجلِ، ماذا قدمنا في عام من حياتنا يستحق هذه الفرحة، غير أننا أهدرنا عاماً كاملاً يقربنا ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً من القبر؟ بحساب بسيط دون قدح زائد للذهن سنجد أن عامنا أضعنا منه على أقل تقدير سبعمائة من الساعات وثلاثين فوقها أمام وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية (بحساب ساعتين فقط يومياً)، وألفاً وخمساً وتسعين أمام شاشات التلفاز (بحساب ثلاث ساعات فقط)، والملهيات كُثُر، أي ما ينقص قليلاً عن الألفين.

 

تخيل معي كمَّ الإنجازات التي كان من الممكن أن تتحقق في هذه الألفين؟ كم من الكتب كان من الممكن أن تقرأ، أو من الأعمال أن تنجز، أو العلوم أن تحصل، أو الخدمات أن تؤدى ، لك أن تتخيل أن عدد الساعات التي يعوزها الدارس لنيل البكالوريوس أو الليسانس في حدود خمسة آلاف ساعة على الأكثر، ومثلها تكفي لتحقيق أعظم الأحلام لتعلم لغة تفتح آفاق سوق العمل والتواصل، أو شهادات عليا، أو اكتساب مهارات جديدة. قال الحسن البصرى- رحمه الله- عن حال سلفه: «أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد حرصاً منكم على دراهمكم ودنانيركم».

 

وبتقدير بسيط ندرك مدى أهمية اللحظة في عمر الإنسان، فلو أن إنسانًا بدأ يخصص ساعة يوميا للقراءة، فإنه يستطيع أن يقرأ الكثير ويدرك من المعارف والعلوم الشيء الجلل، فإنه في ساعة واحدة يستطيع أن يقرأ ما لا يقل عن خمسة وعشرين صفحة، أي أنه يقرأ في الأسبوع مائة وخمسةً وسبعين صفحة، وفى الشهر معدل سبعمائة صفحة، وفى العام ما لا يقل عن ثمانية آلاف صفحة، ولو قدرنا أن الكتاب الكبير يبلغ خمسمائة صفحة تقريبًا، فإن القارئ بذلك التقدير يكون قد قرأ ما يعادل 16 كتابًا، ولو استمر الإنسان على ذلك مدة خمس سنين، فإنه يكون قد قرأ ما يعادل ثمانين كتابًا، فكم من المعارف والعلوم والثقافة التى يكون قد اكتسبها الإنسان فى بناء نفسه وبناء مجتمعه من خلال ساعة قراءة فقط يوميا.

 

ننبهر كثيراً بأهل الغرب حينما نراهم ينفقون أوقات انتظارهم ويبذلونها في مطالعة كتاب أو تواصل بشأن معلومات أو عمل، ننبهر بهم بينما ننهج نهج صاحب الزقين في أول المقال، ثم نسأل أين الطريق؟ اغتنام أوقات الفراغ، وإنجاز الأعمال فيها، وقراءة حياة الناجحين في ذلك، (فإن التاريخ الإنساني ما هو إلا سير رجال عظماء) هو طريق الأمم للنهوض والرقي، أمة تعلم جيداً أنه ما من يوم جديد تشرق فيه الشمس إلا ينادي مناد: يا عبدالله أنا يوم جديد وعلى عملك شهيد فاغتنمني فإني لا أعود، لكنها تنفق لحظاتها بسخاء في مكالمة هاتف تأكل اليوم انقضى نصفها في: كيف حالك؟ وماهي أخبارك؟ وعساك بخير! ولم نرك منذ فترة! وما جديدك! ووووو إلخ، ثم يختم النصف الآخر بمثلها! فلم نسخر من صاحب الزقين إن آثرنا أن نحذو حذوه؟!



حول هذه القصة

أتينا لهذا العالم مكتملي الأطراف، بالرغم من أننا لم نحمل صكاً يضمن لنا ذلك، وجدنا أنفسنا في كنف أسرة ووالدان يتكفلان بأمرنا، بينما الآلاف ولدوا هكذا في الشوارع الخلفية للمدن.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة