السودان ما بعد لقاء نتنياهو والبرهان

في يوم الإثنين الماضي بعد منتصف الظهر فوجئ متابعوا تويتر السودانيين بتغريدة من على حساب الإذاعة الإسرائيلية تفيد أن لقاءاً قد تم ما بين رئيس المجلس السيادي السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان وقبل أي نفي من أي مؤسسة أو هيئة إعلامية سودانية جاء تأكيد اللقاء من الصهاينة من جديد بتغريدة أخرى بالعبري الفصيح لرئيس وزراء (المنتهية ولايته) بنيامين نتنياهو وهو الأمر الذي أعقبه جدل عنيف قانوني ودستوري عبر وسائل الإعلام ومن خلال هذا الجدل اعترفت الحكومة أن الجنرال عبدالفتاح برهان أقدم على هذه الخطوة الخطيرة دون علمها أن التنسيق لهذا الأمر مع قيادات قوى إعلان الحرية والتغيير وأن البرهان قام بالتنسيق مع دائرة صغيرة من المدنيين .

  

تسبب لقاء البرهان نتنياهو في انقلاب المشهد السوداني رأسا على عقب وحدوث تغيير في السياسة الداخلية والخارجية للبلاد، أما داخليا فلم يعد المشهد السياسي السوداني يشهد ذلك التوازن السياسي الذي كان في الشهور الماضية فقد اختل التوازن لصالح المؤسسة العسكرية بقيادة البرهان بينما كانت حكومة حمدوك تتلقى وابلا من الهجوم الإعلامي والمظاهرات المنددة بتدهور الأوضاع الاقتصادية تلقى البرهان مكالمة هاتفية من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يدعوه فيها لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية بصفته رئيسا لمجلس السيادة وهو ما يشير إلى أن الولايات المتحدة بثقلها أصبحت تقف خلف البرهان والمجبس العسكري بدرجة أكبر وتراه فيه عامل استقرار وحفاظ على المصالح الأمريكية وهو ما يعني التخلي والانصراف عن دعم التحول الديمقراطي وهذا يأتي في وقت الهيجان الترامبي على أجندة الحزب الديمقراطي الذي تلاعب بأعصاب ترامب طوال أشهر بما أطلق عليه جلسات محاكمة ترمب في الكونغرس ومحاولة عزله .

 

أما خارجيا فإنه يشير بوضوح إلى انتصار خطاب الإنحياز للمحور السعودي الإماراتي الذي يتبناه المجلس العسكري أو ما يطلق عليه المكون العسكري للحكومة الانتقالية على خطاب الحياد والبعد عن المحاور الذي كان يتبناه المكون المدني للحكومة الانتقالية ومن ضمن صور الانحياز هو هذا اللقاء الخطير الذي جاء في ظروف (صفقة القرن) مشروع ترمب لحل القضية الفلسطينية وتأييد بعض دول الخليج لهذا المشروع عبر استضافة ورشته الاقتصادية في البحرين وتسابق قطر والإمارات على استضافة الفرق الرياضية الإسرائيلية وتوقيع مصر والأردن على عقود شراء الغاز الإسرائيلي وزيارة نتنياهو الشهيرة إلى سلطنة عمان قبل عامين .

 

فلقاء البرهان نتنياهو هو جزء من مشروع تطبيع النظام الرسمي العربي مع إسرائيل وربما المفاجئة هي أن هذا التطبيع بين إسرائيل والدول العربية لم يرقى لمستوى لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي مع الملوك والرؤساء باستثناء مصر والأردن. وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت الملوك والسلاطين والأمراء والرؤساء العرب للتطبيع مع إسرائيل فإنها ليست موضوع هذه الدراسة بل الذي يهمنا هو معرفة الأسباب الحقيقية خلف للقاء البرهان رئيس المجلس السيادي السوداني مع نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في عنتيبي الأوغندية.

   

  

يقف خلف هذا اللقاء أهداف معلنة للبرهان وهي ما أطلق عليه الحفاظ على الأمن الوطني السوداني وطلب مساعدة إسرائيل لرفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية على السودان وأهداف سرية لم يعلن عنها كذلك من جانب الطرف الإسرائيلي هناك أهداف معلنة وهي كسب تأييد دولة عربية جديدة للمحور الإسرائيلي وسبب اقتصادي وهو فتح الأجواء السودانية للطيران الإسرائيلي المتجه لأمريكا الجنوبية ما سيساهم في تنشيط السياحة لإسرائيل بتخفيض التكلفة الاقتصادية للذهاب إليها.

 

أهداف نتنياهو من لقاء البرهان

فك العزلة عن إسرائيل

على الرغم من مرور سبعين سنة تقريباً على تأسيس الكيان الصهيوني، وحصوله على اعتراف الأمم المتحدة ما زالت مشروعية هذا الكيان غير مكتملة على المستوى الإقليمي، إذ لا تعترف به من الدول المحيطة به سوى مصر والأردن واعتراف جزئي قبل قطر والإمارات وبالتالي إسرائيل لازالت جزيرة معزولة في محيط معادي لها رغم انفاقها ملايين الدولارات على الدعاية ورغم مرور عقود على قرار الملك حسين ملك الأردن الراحل والرئيس المصري الراحل أنور السادات فإن مستوى عداء الشعبين المصري والأردني لإسرائيل في حالة ازدياد.

ولذلك فإن إسرائيل ترى أن تطبيعها مع أكبر عدد من الدول العربية قد يساعد في فك عزلتها الإقليمية وتنشيط تجارتها مع دول (الخليج) الغنية بالنفط.

 

زيادة الضغط على الفلسطينيين

التطبيع مع السودان له مذاق خاص لإسرائيل فالسودان يعني للفلسطينيين قمة الخرطوم 1967م صاحبة اللاءات الثلاث والتي يستحضرها الفلسطينيون دوما ليتذكروا أن خلفهم أمة عربية واحدة تدعم حقهم، وإسرائيل عبر تطبيعها مع السودان توصل رسالة قوية للفلسطينيين أن عليهم أن لا يتعنتوا في التفاوض معها لأن العالم العربي تخلى عنهم والدليل أن الخرطوم صاحبة اللاءات الثلاث أصبحت مهتمة بالتطبيع مع إسرائيل.

 

تنشيط السياحة لدولة إسرائيل

يعتمد اقتصاد الكيان الصهيوني حتى الآن على اقتصاد الخدمات فالكيان المحتل ليس لديه ما يصدره للعالم من سلع مهمة باستثناء الأسلحة، ولذلك فإن إسرائيل الحريصة على قطاعها السياحي الذي تعتمد عليه كمصدر رئيسي لعملة الصعبة (حتى الآن) حريص على الاستفادة من الفرص لمزيد من الاستثمار في هذا القطاع.

 

ومن القطاعات المهمة التي ترفد اقتصاد الكيان الصهيوني بالأموال هي قطاع السياحة الدينية فكثير من السياح الذين يقصدون إسرائيل يقصدونها بغرض زيارة الأماكن الدينية المقدسة (خصوصا المسيحية) وتعتبر مناطق أمريكا اللاتينية من أكثر الأماكن تمسكا بالكاثوليكية في العالم وقد تدفع اغراءات مالية سواح هذه القارة للتوجه إلى إسرائيل بدلا عن أي مقصد آخر ولذلك فقد كان طلب إسرائيل المتكرر السماح بالطيران الذاهب لإسرائيل بالعبور باستخدام الأجواء السوداني وهو الأمر الذي من شأنه تكلفة الرحلة الجوية في بعض دول أمريكا الجنوبية لسعر ربما يتجاوز النصف ما سوف يساهم في انعاش الإقتصاد الإسرائيلي .

 

التخلص من اللاجئين الأفارقة في اسرائيل

تعتبر ظاهرة هجرة الأفارقة غير الشرعية لإسرائيل من القضايا التي تؤرق ساسة الكيان الصهيوني وقد وعد نتنياهو وهو يميني متشدد في أكثر من مرة بأنه على استعداد لإعادة اللاجئين الأفارقة لبلدانهم التي جاءوا منها.

 

وقد تمت إعادة بعض اللاجئين من دولة جنوب السودان إلى بلادهم بواسطة الأمم المتحدة وكان اللاجئون السودانيون يمثلون أزمة لحكومة نتنياهو بسبب أن أغلبهم قادم من إقليم دارفور وقد كانوا لا يستطيعون إعادتهم لنظام عمر البشير بسبب تاريخه الحقوقي السيئ وأما الآن وبعد تطبيع العلاقة ما بين الخرطوم وتل أبيب سوف تقوم إسرائيل بإرسال جميع اللاجئين السودانيين إلى الخرطوم ودون أن تشعر بأي حرج دولي وربما تعرض على الحكومة السودانية أخذ بقية اللاجئين الأفارقة للخرطوم مقابل ميزات اقتصادية كما حاولت من قبل عمل هذا الأمر رواندا قبل سنوات .

 

مواجهة النفوذ الإيراني والتركي

تعتبر إسرائيل المشروع الإيراني الذي تسميه بعض الأدبيات الأمريكية بمشروع الهلال الشيعي وما تسميه إيران (مشروع المقاومة والممانعة) عدوها الاستراتيجي الأول والخطر الماثل أمام عينيها وهو يسيطر على حدود إسرائيل من ثلاث جهات، الجهة السورية من حدود هضبة الجولان السورية والجهة اللبنانية من جنوب نهر الليطاني (الناقورة) والجهة الفلسطينية عبر حركات النضال الفلسطيني المدعومة إيرانيا

 

وتعمل لذلك إسرائيل على التحالف مع كل الدول التي تعتبر المشروع الإيراني خطرا عليها وتعتقد إسرائيل أن هذا المشروع الخطير هو فرصتها للاندماج مع دول المنطقة (الخليجية) في مواجهة عدو الجميع ولذلك تعتبر إسرائيل أن التقارب مع الخرطوم التي يحكمها الجنرال القوي عبد الفتاح برهان لمواجهة إيران هو أمر يجب أن يحدث بالضرورة ما دامت الخرطوم تعتبر نفسها حليفة للسعودية والإمارات وما دامت الخرطوم منخرطة في الحرب الأهلية اليمنية لمواجهة ذراع إيران جماعة أنصار الله (الحوثية).

 

أما في المدى المتوسط والبعيد فإن إسرائيل ترى المشروع التركي عدوا لها وفرغم أن حكومة أنقرة تعترف بإسرائيل وتجري معها أكبر عمليات تبادل تجاري ما بين الدولة العبرية ودولة عضو في منظمة التعاون الإسلامي فإن إسرائيل ترى في تمدد أردوغان في سوريا وليبيا والصومال خطر على المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية.

 

ويظهر ذلك في تحالف إسرائيل مع دول شرق المتوسط المعادية لأنقرة (مصر اليونان قبرص) ضمن ما أطلق عليه منتدى شرق المتوسط بالإضافة إلى ذلك الدعم الدبلوماسي والإعلامي الذي تقدمه اللوبيات الإسرائيلية لحزب العمال الكردستاني وحفتر وبدرجة أقل بشار الأسد فالدولة العبرية لا تريد أن ترى أمامها لا المشروع الإيراني ولا المشروع التركي، وترى إسرائيل في دول الخليج حليفا محتملا لها من أجل مواجهة المشروع الإيراني والتركي وترى في السودان في حقبة ما بعد البشير أيضا حليفا محتملا لها إذا ما رغب نظام عبدالفتاح البرهان تصفية الوجود التركي في السودان والتخلص منه كإرث متعلق بنظام البشير .

 

بيع السلاح للسودان

تمثل السوق الإفريقية سوقا واعدة لتجار السلاح الصهاينة. فمشاكل القارة السمراء لا تنتهي، ونزاعاتها العرقية والاثنية والدينية لا تنطفئ، ولذلك فبيع السلاح الاسرائيلي للأفارقة هو تجارة مربحة للإسرائيلين الذين يستثمرون في شركات السلاح مليارات الدولارات سنويا وكمثال على ذلك بيع إسرائيل لمنظومة اسبايدر ام أر لاثيوبيا لتقوم بتركيبها لحماية سد النهضة من أي قصف مصري محتمل للسد كذلك بيع إسرائيل أسلحة مختلفة للجيش النيجيري لتصد لبوكو حرام.

 

ولذلك فإن شركات السلاح الإسرائيلية يدعمون التقارب ما بين إسرائيل والدول الإفريقية ويعملون بجد على تطوير العلاقات ما بين إسرائيل والدول الإفريقية باعتبارها سوقا مفترضة للأسلحة الإسرائيلية، وتعتقد إسرائيل أنها يمكن إن تحسنت العلاقات ما بين الخرطوم وتل أبيب أن يكون السودان زبونا مفترضا للسلاح الإسرائيلي أو أن يساعد إسرائيل حتى على تسويق سلاحها للدول الإفريقية المجاورة له.

 

تأمين البحر الأحمر

يطل الكيان الصهيوني على البحر الأحمر عبر ميناء ايلات (أم الرشراش) ولذلك فإن تأمين هذا الممر المائي من أخطار القراصنة وتدخلات دول بعض (الدول الإقليمية) هو مصلحة تهم الأمن القومي الإسرائيلي بشكل واضح وترفض إسرائيل قيام أي دولة (إقليمية) بإنشاء نقاط عسكرية لها على شاطئ البحر الأحمر وقد شاركت إسرائيل مؤخرا في عدة مؤتمرات أمنية خاصة مع الدول العربية لبحث تأمين الممرات المائية أبرزها مؤتمر وارسو 2018 ومؤتمر المنامة 2019.

 

الاستفادة من موارد السودان وثرواته

تعتبر السودان أحد أغنى دول العالم بالأراضي الصالحة للزراعة بفضل الأنهار العذبة التي تجري فيه بشكل دائم أو موسمي، وتمتع السودان بهذا الغنى والوفرة من الثروة المائية يقابله شح في المياه عند الكيان الصهيوني الذي يضطر إلى تحلية مياه البحر للمستهلكين الصهاينة، ومياه السودان تحت عين إسرائيل التي تريد الاستفادة منها وزراعة عدد من المحاصيل التي يمكن أن تنتج مواد خاما لصالح المصانع الصهيونية، بالإضافة إلى أن ثروات السودان خصوصا من المعادن النفيسة ذات القيمة الثابتة كالذهب والفضة والألماس التي تذخر بها الأراضي السودانية .

 

هذا من ناحية إسرائيل أما السودان فهي منذ 11 أبريل 2019 يوم إعلان وزير الدفاع السابق عوض بن عوف اقتلاع النظام السابق والتحفظ على رئيسه في مكان آمن والدولة السودانية لم تعد دولة مركزية القرار يتخذ من القصر الجمهوري ويتم التنفيذ، فقد استولت اللجنة الأمنية للنظام السابق على الحكم والتي تضم الجيش والشرطة والأمن والدعم السريع على الحكم سويا وبقرار مشترك ولأول مرة في تاريخ السودان المعاصر يضم المجلس العسكري الإنتقالي شخصيات غير منتمية للمؤسسة العسكرية الرسمية كضباط الأمن والشرطة ناهيك عن الدعم السريع الذي كان محل تساؤل حتى وقت قريب هل هو مؤسسة تابعة للجيش أم لجهاز الأمن قبل أن يصدر قرار بإعتماده كقوات خاصة تتبع للقائد العام للجيش ويصدر هذا القرار في شكل قانون أجازه البرلمان المنحل .

 

هذا من الناحية السيطرة الأمنية والعسكرية أما من الناحية التنفيذية فإن الوثيقة الدستورية التي جاءت نتيجة لتفاوض المجلس العسكري مع قوى الحرية والتغيير حرمت الجيش من إدارة المرحلة الانتقالية وكبلت صلاحيته ضمن ما أطلق عليه مجلس السيادة مقابل الحفاظ على الامتيازات المالية والاقتصادية للجيش واستمرار إرسال القوات السودانية إلى اليمن والمناطق الساخنة بالتفاهم مع المحور والسعودي الإماراتي.

 

وتشهد الأيام الأخيرة أدلة متزايدة على أن الإتفاق السياسي ما بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في أيامه الأخيرة فالمجلس لا يريد سماع تقرير لجنة التحقيق المتعلقة بفض اعتصام القيادة العامة وليس سعيداً عن سير المفاوضات المتعلقة بالسلام ويضاف إلى كل ذلك لقد تجاوز المجلس صدمة فض الاعتصام واستطاع خلال الأشهر الماضية ترميم صورته وتقديم نفسه كحريص على الدولة وبعيد عن الاستقطاعات الدينية والعرقية والأيدولوجية بينما غرقت قوى الحرية والتغيير وأغرقت المجتمع في الإستقطابات بمحاولتها انتهاز اللحظة التاريخية لتحقيق مكاسب علمانوية تافهة كدوري كرة القدم للسيدات واصدار قانون تجريم التكفير ومنع ختان الإناث والقضاء على البنية التشريعية المساعدة لقانون النظام العام (الذي ألغي من قبل) وإلغاء المادة المتعلقة بالدعارة في القانون الجنائي السوداني وتقنين وضع المثليين .

 

ويتزامن انشغال قوى الحرية والتغيير بهذه القضايا مع ارتفاع التضخم وانكماش الاقتصاد السوداني وانخفاض قيمة العملة السودانية وهروب الاستثمارات من البلاد وأزمات معيشية حادة كانقطاع الكهرباء المستمر وعدم توفر الوقود والخبز.

 

أهداف البرهان من لقاء نتنياهو

تدعيم موقفه كحاكم مستقبلي للبلاد

رغم أنه تظاهر بالزهد في السلطة في ابريل الماضي ووافق في الاتفاق السياسي على أن كل من يكون جزء من النظام الإنتقالي فإنه لن يترشح للإنتخابات القادمة فإن الفريق البرهان يعمل بوضوح ليصبح رئيسا للبلاد حتى قبل 2022م التاريخ المفترض لنهاية الفترة الإنتقالية فمن مقابلة زعماء العواصم الإقليمية الداعمة للرؤساء العسكريين إلى السفر إلى موسكو ومقابلة الرئيس الروسي بوتين في القمة الروسية الإفريقية إلى مخاطبة القمة العربية والإسلامية فإن الفريق البرهان يقدم نفسه كزعيم مفترض للسودان لأن حضوره إلى كل هذه المناسبات لم يكن ضروريا فقد كان رئيس الوزراء أو أي ممثل للمجلس العسكري قادرا على تمثيل السودان أفضل تمثيل في تلك المناسبات الدولية ولكن الفريق البرهان استغل تلك المنصات الدولية لتقديم نفسه للعالم ، وترك المنصات الإقليمية الأقل أهمية إلى رئيس الوزراء عبدالله حمدوك كمنصة الاتحاد الإفريقي ومنصة الإيقاد حيث أن الإعلام الدولي أقل اهتماما بمتابعة ما يحدث في تلك القمم .

 

أما داخليا فإن أسهم لقاء البرهان بنتنياهو في ارتفاع أسهمه لدى الرأي العام السوداني المتعلق بأي أمل برفع الحظر عن البلاد بعد أن أصابته حكومة عبد الله حمدوك بالإحباط بسبب اهمالها الكامل للرأي العام السوداني وسعيها المستميت لإرضاء المجتمع الدولي حتى لو أدى ذلك لإهانة الكرامة الوطنية السودانية أو توريط السودان في دفع تعويضات عن عمل لا علاقة للسودان به.

 

وفي الحقيقة فإن البرهان لم يكن ليقدم على هذا الفعل الخطير لولا أنه أصبح يملك مشروعا سياسي ينوي تطبيقه كرئيس للبلاد فالإقدام على مصافحة مجرم كنتنياهو هو أمر لن يغفره الشعب السوداني للبرهان حتى لو استطاع رفع العقوبات الاقتصادية والبرهان يدرك أنه أقدم على مغامرة خطيرة لم يكن ليقدم عليها لو لم تخدمه هو بشكل شخصي، ما نريد قوله إن البرهان يطرح نفسه كسيسي جديد للسودان يستطيع فرض هيبة الدولة والقانون من جديد.

 

الضغط على الحركات المسلحة

من الأمور التي دفعت الفريق البرهان إلى اللقاء مع نتنياهو قضية الحركات المسلحة حيث تعتبر هذه الحركات مسألة مؤرقة للدولة السودانية باعتبار الحرب في مناطق الهامش السوداني إرثا متبقيا من نظام البشير يجب التخلص منها وبشكل فوري والعمل على تأسيس نظام وطني سوداني قوي، وإسرائيل بما تملكه من نفوذ واستثمار في الحركات المسلحة التي دعمتها منذ الخمسينات من القرن الماضي قادرة على جلب هذه الحركات للسلام وكسر تعنتها.

 

ما نريد قوله إن التطبيع مع إسرائيل في اعتقاد البرهان عامل مساعد في إيقاف الحرب عبر تجفيف التمويل لهذه الحركات وإيقاف الدعم الإعلامي لها ما سيدفعها للقبول بالتفاوض بدلا من التعنت ورفع سقف المطالب ما سيمهد لحل أزمة الحرب في السودان التي تسبب فيها نظام البشير بسوء إدارته للبلاد.

  

الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية

تعتبر العلاقة مع إسرائيل البوابة الرئيسية لعلاقة جيدة مع البيت الأبيض هذه حكمة يعرفها كل حكام الشرق الأوسط ولذلك فإن البرهان المهموم برفع العقوبات الإقتصادية الأمريكية الكاملة عن السودان وشطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب كان مستعدا للقاء نتنياهو بدواعي الأمن القومي والمصالح السودانية العليا، والبرهان بإقدامه على محالفة إسرائيل بهذا الشكل يعلن بوضوح أيضا أنه حليف لأمريكا والغرب وأنه مستعد للانقلاب بشكل كامل على ارث البشير من العلاقات مع دول آسيا وروسيا وتركيا وإيران.

 

وهو جاهز للتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية ومشاريعها الأمنية في المنطقة لمواجهة إيران وتركيا ضمن ما يطلق عليه بتأسيس الناتو العربي الذي يتوقع تأسيسه في وقت ما من هذا العام لمواجهة النفوذ الإيراني والتركي والتدخل لا في اليمن فقط بل في دول عربية أخرى قد تكون منها (العراق ولبنان وسوريا وليبيا)

 

إعادة تسليح الجيش السوداني بالمنظومات الغربية

إقدام البرهان على الإستقواء بالجيش على النحو الذي حدث ما بعد لقائه بنتنياهو يجب أن يفهم في إطار مشروع متكامل لإعادة تسليح الجيش السوداني بسلاح غربي فهو يسعى بوضوح لإحداث تغيير (ساداتي) وانفتاح في الدولة السودانية بعد وصوله لقناعة أن 99 % من أوراق اللعب في يد الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي نقل ملف السودان من يد وزارة الخارجية الأمريكية ليد البنتاغون وهذا الأمر لن يتم سوى بربط مباشر ما بين الجيش السوداني والجيش الأمريكي وهنا يبدو أن البرهان يرغب في أن تذهب قاعدة أفريكوم الأمريكية لتكون في السودان بعد أن تم نقلها من جيبوتي مؤخرا .

 

تطبيع العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية

يعتقد البرهان أن نتنياهو ومن علاقاته الواسعة مع أبناء جنسه اليهود المسيطرين على الاقتصاد العالمي يستطيع دعم خطوات انضمام السودان للمجتمع المالي الدولي وبالتالي حصول السودان على منح وقروض وإعانات وإعفاءات من المؤسسات الدولية والتي ترفض التعامل مع السودان رغم أن العقوبات الإقتصادية الأمريكية رفعت على الورق.

 

الإعلام الدولي والمنظمات الدولية

من أهداف البرهان من لقاء نتنياهو هو تحييد الإعلام الدولي من الحديث عنه بسوء وكذلك المنظمات الدولية الحقوقية التي بدأت في الفترة الماضية التي بنشر تحقيقات تحرض على المجلس العسكري وعلى البرهان وعلى نائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) فأحد أهداف البرهان الاستراتيجية هي كسب صمت منظمات المجتمع الدولي خصوصا تلك المدعومة من اللوبيات اليهودية وكذلك وقف أي مواد دعائية معادية له على الإعلام الدولي.



حول هذه القصة

تجتمع بحمدوك عوامل قل أن تجتمع بشخص آخر بالوقت الحالي فهو مقبول من معظم التيارات سواء كانوا معارضة سلمية أو قوى الكفاح المسلح الذين كانوا من أكبر المعارضين للوثيقة الدستورية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة