الدور المظهري الذي منحه الرئيس عبد الناصر لعلي صبري وعبد المنعم أمين وهيكل

ذات مرة فوجئت بسيدة فاضلة تتصل بي وترجوني أن اساعد ابنتها المعيدة بتوصية عند أستاذها الذي هو مع فارق السن بمثابة صديقي، لم أكن أملك رداً لأمر تطلبه مني هذه السيدة لأنها والدة زميلي في المرحلة الثانوية، وهذه الشقيقة التي توصي والدتها عليها هي شقيقته الصغرى التي كانت في بدايات المرحلة الابتدائية حين كنا في المرحلة الثانوية، إلى هنا يبدو الامر طبيعيا وسلساً ومتكرراً مع من هم في مثل ظروفي، لكن شيئا ما كان في هذه العلاقة يقتضي أن نتحدث عنها على أنها قصة، أو على أنها موضوع وليست شيئا عاديا متكرراً.. هذا الشيء هو أنني شأني شأن كل زملائي كنت أعلم علم اليقين أن الأستاذ مُتيّم بتلميذته وأنها في سبيلها للزواج ريثما يتم توفيق الأوضاع القائمة، وهكذا فقد كانت علاقة الابنة التي هي شقيقة زميلي (المعار في بلاد الخليج) بأستاذها في واقع الأمر أقوى بكثير من علاقتي المتميزة به، وهو ما يُلخصه الجمهور المصري بالقول الشائع بأنها هي الأحق بأن توصيه عليّ بدلاً من أن أوصيه عليها.

 

كنت في ذلك الوقت منذ أكثر من ثلاثين عاما لا أزال أفتقد إلى كثير من الخبرة بالأسلوب الأمثل في التعامل مع أحداث تستدعي نفسها إلى مواجهتي على غير حقيقتها كما هو الحال في هذه القصة، ومهما كنت أنا أو غيري مندفعاً فلن يكون رد الواحد منا على السيدة الأستاذة التي هي في مقام والدتنا أن ابنتها لا تحتاج إلى توصية، ذلك أن اللياقة تقتضي منا أن نتحسب لأن تكون الوالدة على غير علم، أو أن تكون على علم غير كامل، أو أن تكون على علم بدون موافقة! لكنني بالطبع لم أكن أتصور أن المقصود بالموضوع كله أن تظهر علاقة ابنتها على أنها فرع من علاقتي بالأستاذ الصديق الذي سارعت فأوصيته على شقيقة صديقي المعار أو الغائب.

  

على كل الأحوال فقد أديت المطلوب على الوجه المطلوب وبدأت أتلقى مداعبات أصدقائنا العابثة لا من قبيل إنني الذي أتوسط للزوجة عند زوجها وإنما من الصياغات الساخرة التي تقول إنني بغروري تصورت أنني أتوسط للمحبوبة عند العاشق الذي يتمنى رضاها. ومع هذا فلم يكن بوسعي أن أفعل شيئا غير الصمت، وبالطبع فقد نلت كثيراً من الاحترام بسبب هذا الصمت. وبعد أكثر من عشر سنوات انفصمت هذه العلاقة بين الأستاذة (بحكم ما كانت قد وصلت إليه في ذلك الوقت) وأستاذها وأصبح زملاؤنا القدامى يستعيدون السخرية القديمة، مع تطويرها ليقولوا إنني لم أكن صادقا بما فيه الكفاية في التقريب بين الأستاذ وتلميذته التي أصبحت أستاذة.

 

أثبتت الوثائق أن علاقة الضباط بالأمريكيين كانت أكثر تغلغلاً وأكثر تشابكا من علاقات هؤلاء الصحفيين وإن كان هذا قد ظل في السر

من عجيب أمر السياسة في عهد 23 يوليو 1952 أن القصة السابقة كانت هي الأسلوب الأمثل في تصوير علاقة ضباط 1952 بالأمريكيين والسفارة الأمريكية والمخابرات الأمريكية، فعلى الرغم من أن علاقة الرئيس جمال عبد الناصر وجماعته كانت وثيقة تماما بالأمريكان فإن الذكاء السياسي قاد الرئيس جمال عبد الناصر إلى الترويج لتصوير مختلف تماماً ظلت أجهزة الثورة تضلل به الناس حتى ما بعد وفاة الرئيس أنور السادات، وقد تكرر هذا التضليل مع اختلاف الشخصيات التي أنيطت بها أدوار البطولة فيه، وكان من أوائل هؤلاء علي صبري الذي روجت دعايات ثورة 1952 أنه كان هو (وليس غيره) الذي اتصل بالملحق العسكري في السفارة الأمريكية (وكان ضابط طيران مثله) ليطلب منه تطمين الأمريكان من ناحية الثورة.. نقرأ هذه الرواية التي ظلت شائعة ومتسيدة طيلة 40 عاماً فتتعجب من السذاجة المفرطة التي جعلت القراء يُصدّقونها ويتصوّرون أن علاقة ثورة يوليو (الأمريكية) بالأمريكان اقتصرت على هذه المكالمة أو الزيارة التي قام بها علي صبري للملحق الأمريكي بينما وهو واحد من غير أعضاء اللجنة التنفيذية للضباط الأحرار (أو مجلس القيادة).

 

على صعيد آخر وبعد أسابيع قليلة فقد تمت نسبة هذا الدور بطريقة أوسع مدى إلى عبد المنعم أمين الذي كان عضواً في مجلس قيادة الثورة حتى حدثت أزمة انقلاب المدفعية في1953، ومن الطريف أن "بطولة" عبد المنعم أمين لهذا الفيلم الصناعي المختلف الذي أخرجه وأنتجه الرئيس جمال عبد الناصر وزملاؤه كانت لا تقل منطقية عن فيلم علي صبري، فقد كانت زوجة عبد المنعم أمين السيدة محاسن سعودي سيدة مجتمع بارزة، ومن الطريف أن الوثائق الأمريكية حين تكتب تقريرها الموجز عنها تقول إنها الزوجة الثالثة لعبد المنعم أمين بينما هو الزوج الرابع لها.. وهكذا كان عبد المنعم أمين نموذجا لهذه الطبقة المتميزة من الضباط الذين يجيدون اللغات ويتصلون بالأجانب ويشاركونهم مع عائلاتهم الحياة الاجتماعية والكشفية أو والرحلات.. وهكذا ظل رجال 1952 ينسبون إليه الجانب الخفي من علاقة الثورة بالأمريكان بينما كان دوره أقل بكثير من دور الرئيس عبد الناصر في هذه العلاقة، لكن ظروف خداع الشعب العربي كانت تقتضي هذا الإخراج لمثل هذا الفيلم

 

قل مثل هذا عن علاقة كثير من الصحفيين بالأمريكان، وقد صوروا (ولا يزالون يُصورون) على أنهم هم الذين رتبوا للثورة علاقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية ولا نزال نصدق هذا، بينما أثبتت الوثائق أن علاقة الضباط بالأمريكيين كانت أكثر تغلغلاً وأكثر تشابكا من علاقات هؤلاء الصحفيين وإن كان هذا قد ظل في السر،  ومن العجيب أن كثيرين من العرب لا يزالون يصدقون أن لواحد من أشهر هؤلاء الصحفيين مكانة كبيرة عند الأمريكيين بينما يعرف الأمريكيون حقيقة مكانته المتدنية عندهم، ويبتسمون كالعادة من سذاجة العرب، فقد ظل ذلك الصحفي حتى آخر حياته التي طالت ملتزما بالإطار الذي رسمه له الأمريكيون حسب أولي وظائفه معهم حين دفعته ظروفه الاجتماعية إلى أن يسعى ليقبل بالعمل كجندي من الجنود المرتزقة الذين جندتهم الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الكورية، ولأن التاريخ في مصر هو أيسر ما يمكن تزويره، فقد تم التوافق على أن تتعدل صفته من جندي مرتزق في القوات المرتزقة إلى مراسل عسكري من دون أن يكلف أحد ذهنه بالبحث عمن كان قادراً في الصحف المصرية على أن يمول نفقات مراسل حربي متفرغ يوفد لتغطية الحرب الكورية؟ على بعد آلاف الأميال / في حرب لا يعرف عنها المصريون شيئاً حتى الآن!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة