التدريس في معاهد المكفوفين.. تجربة جديدة

دوما ما يتساءلون ليل ونهار، صباحا ومساءا، قبل الصباح وبعد المساء. "أستاذ في اختصاص علمي بمعاهد المكفوفين" كيف كان الأمر؟ هل وجدت عوائق؟ أبدا لم يكن الأمر سهلا… كيف يتم التدريس هناك؟ الكثير من التطويع للبرنامج والقليل من التبسيط كان كافيا. فتلامذة المعهد كانوا أفضل من درست. أتعبني الأمر في بادئ الأمر غير أني تعلمت واعتدتُ مع الوقت. فلكل شيء بداية صعبة، أو كما يقول الناس من حولي: "كل شيء له مرة أولى ومرارة أولي". اليوم الأول في العمل هناك، سيبقي واحدا من الأيام الخالدة في ذاكرتي، فهذا اليوم يعتبر أهم مراحل العمل باعتباره يختزل التحول من المرحلة النظرية التطبيقية ومن التمرين إلى الممارسة الفعلية.

    

عادة ما ينظرُ إلى المدارس والمعاهد الخاصة بالكفيف في تونس على أنها محاضن اجتماعية تؤدي دورا اجتماعيا تضامنيا لفائدة فاقدي البصر والحال أن الأمر مجانب للحقيقة. فهذه المدارس والمعاهد المتواجدة في ثلاث محافظات تخضع إلى إشراف وزارة التربية وإلى إداراتها الجهوية الراجعة بالنظر. تعتمد معاهد ومدارس المكفوفين على طريقة "البراي" في تدريس نفس البرامج الدراسية والتعليمية المعمول بها بكل من المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية في المعاهد العادية التابعة لوزارة التربية التونسية. ويعود تخرج أول دفعة من الناجحين في امتحان ختم التعليم الثانوي إلى سنة 1969 من معهد الكفيف بسوسة حيث يُعتبر هذا الخير منارة تربوية لفاقدي وضعفاء البصر، فكل المتحصلين على شهادة "الباكالوريا" من المكفوفين إلى حدود سنة 2014 كانوا قد مروا من هذه المؤسسة.

 

عملية التدريس في هذه المؤسسات تقتضي القيام بعملية تطويع للبرامج والكتب المدرسية وحتى الامتحانات. ويُقصد بالتطويع تحويل الكتب المدرسية أو الامتحانات من صيغتها العادية إلى طريقة "البراي" وذلك من خلال إلغاء عديد الكلمات من قبيل "أنظر"، "شاهد" وتحويل الجداول والصور إلى فقرات فيما يتم طباعة الخرائط على أوراق بلاستيكية محرّفة باعتماد وسائل تواكب التطورات الحاصلة والتكنولوجيات الحديثة في طريقة براي.

  

عتبر معهد الكفيف بسوسة الأقدم في تونس من بين معاهد الكفيف الثلاث، وقد أمن لأكثر من خمسين سنة التعليم لرواده القادمين من المدارس العادية ومن مدرسة النور بالعاصمة تونس

في تونس، كان ولا يزال شرفا أن تكون مدرسا في المدارس والمعاهد الثانوية والجامعية. وكان لي الشرف في تجربة رائدة جمعت بين التدريس في أحد معاهد الكفيف واخر عادي في نفس السنة. والتدريس مهنة سامية أخلاقياً، وحلم للعديد من العائلات هنا في تونس. بالنسبة لي لا تعتبر معاهد الكفيف غريبة وربما أُعد واحدا من الذي لهم كعرفة كبيرة بخفاياها وأسرارها قبل مباشرتي العمل بها باِعتبار أن والدي كان مكفوفا وقد سبق له العمل بها كأستاذ للغة العربية إلى حين إحالته علي شرف المهنة.

   

لعل الدفع الأساسي وراء تعييني للتدريس بها. عادة ما لا يرغب الأساتذة في الاختصاصات العلمية التدريس هناك لعديد الأسباب لعل أهمها عدم الاعتماد على "السبورة الطباشيرية" حيث يضطر المدرس إلى اِبلاغ المعلومة صوتيا والاعتماد على الإملاء وسبلة لإيصال الدرس إضافة جهل بعضهم لطريقة "البراي" وقلة خبرتهم في كيفية التعامل مع التلاميذ الذين يدرسون هناك، فالتدريس في معاهد المكفوفين يختلف عن المعاهد العادية من حيث كيفية التعامل مع فئات ونماذج كثيرة ومتنوعة من التلاميذ من مختلف الأجيال والبيئات. إضافة إلى كيفية معالجة المشاكل وطريقة عرض الدرس. لذلك يقتضي التدريس في هذه المدارس والمعاهد طريقة تعامل خاصة بناءً على تجارب تراكمية استمرت سنوات طويل.

   

على الرغم من خبرتي في التدريس بالمعاهد الغير العمومية، فقد بدت لي تجربة التدريس في عامه الأول بمعهد الكفيف عبارة على دخول عالم جديد كلياً وان كان لي دراية بهذا العالم سابقا، حيث يشعر بأن المدرسة وأفرادها يمثلون عائلة واحدة، يتعاونون في سبيل أن تسير هذه الأسرة إلى الأمام. للتجربة المتلاحقة وللاستمرارية في التدريس هناك دور هام في صقل شخصية المدرس عاماً بعد عام، فيصبح التعامل والتدريس من الناحية الأدائية هناك أكثر سهولة.

 

مدارس ومعاهد الكفيف كانت تخضع لإشراف الاتحاد الوطني للمكفوفين بتونس إلى حين إلحاقها بوزارة التربية في أواخر الثمانينات. يعتبر معهد الكفيف بسوسة الأقدم في تونس من بين معاهد الكفيف الثلاث، وقد أمن لأكثر من خمسين سنة التعليم لرواده القادمين من المدارس العادية ومن مدرسة النور بالعاصمة تونس في المرحلة الإعدادية والثانوية. حيث يشتمل على شعبة الأدب في انتظار دراسة إمكانية تعميم بقية الشعب به.



حول هذه القصة

أستاذي، قلمي الذي كان يتراقص على الصفحة البيضاء فيجعلها ربيعًا زهره الكلمات قد أصبح اليوم حائرًا، تراه يقف أمام الأوراق ترهبه، تلعثم خطاه وتتحكم به، وهو الذي كان يبهرها بحبره.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة