الانفرادات التي أنجزها الشيخ النجار في تأريخه لثورة ١٩١٩

ينتبه الشيخ عبد الوهاب النجار بذكاء شديد إلى مدى ما كان البريطانيون حريصين على أن يمارسوه من تزوير للحقائق المتعلقة بثورة الشعب المصري في 1919 وطبيعة هذه الثورة، وما كانوا يلغون به من تصوير لهذه الثورة في مواجهة الأوروبيين والعالم المتحضر، وقد كانوا ـ كما نعلم ـ حريصين على أن يصوروا الحركة الوطنية على أنها حركة مضادة لغير المسلمين. وفيما قبل هذا يروي الشيخ عبد الوهاب النجار قصة موقف مماثل للقوي الاستعمارية الحريصة على تبرير وجودها بأسباب زائفة، وحيثيات ملفقة، ونحن نري هذا المعني بارزا على سبيل المثال بوضوح شديد في مذكرات الشيخ عبد الوهاب النجار عن يوم الجمعة 21 مارس.

 

أما موقف الشيخ عبد الوهاب النجار من محاولات التمرد الإقليمية الطريفة التي أعلنت استقلال بعض المدن في مواجهة الاستعمار (على نحو ما حدث في جمهورية زفتي)، فهو أقرب ما يكون إلى إبداء شعور العجب من غرابة مثل هذا الموقف على الفكر التقليدي الذي يقدر دور الدولة الكبيرة، وكأنما كان الشيخ النجار ينظر إلى مثل هذه الثورات والاندفاعات بمنطق الحرص على وحدة الوطن وهو منطق مختلف عن ذلك المنطق الذي ينبغي للثائر المندفع أن ينظر به إليها كحركات اجتماعية ثورته تعبر عن مدي الضيق بتعسف الاستعمار وسطوته، فإذا به يتصور أن هذا الاستقلال يبدو وكأنه يبتغي حقوقا من التي يكفلها القانون الدولي وتبعاته أومر من التي يفرضها التاريخ، مع أن الأمر لم يكن كذلك بالطبع.

 

يتحدث الشيخ عبد الوهاب النجار في مذكرات يوم (8 أبريل) عن إعجابه الشديد بخطبة ألقاها القمص سرجيوس حث فيها بطريقته على الاتحاد من أجل مصلحة الوطن، ومقاومة المستعمر

ويكاد الشيخ عبد الوهاب النجار يكرر رؤيته لجمهورية زفتي في رواية موفقة أو رأيه من إعلان مديرية المنيا (وكانت لاتزال تسمي باسمها القديم: منية ابن الخصيب) لاستقلالها، وهو ما نجده في يومياته التي يرويها عن أحداث يوم الأربعاء 26 مارس 1919. ومع هذا كله فإن الشيخ عبد الوهاب النجار يعطي قيادات «المحليات» كل ما تستحقه من حقها في نشاطها الثوري، وسعيها من أجل حقوقها، وعلى سبيل المثال فإنه يورد في ذكرياته عن يوم الأربعاء 26 مارس 919 قصة لقاء الوفد الممثل لأهالي الغربية بالممثلين القنصليين لأمريكا وفرنسا، وهي رواية دالة على تقديره للأقاليم والمحليات من ناحية، وعلى مدي ما كانت قيادات الأقاليم ومؤسساته الأهلية تحفل به من قدرة وذكاء وقدرة على التصرف (من ناحية أخري):

 

ويتأكد إعجاب الشيخ عبد الوهاب النجار بالثوار وبالحركة الوطنية في الأقاليم حين نراه يحرص على أن يشير في مذكراته عن20 يونيو 1919 إلى الأحكام التي أصدرها الإنجليز في حق ثوار إقليم المنيا، مشيدا ومحتفلاً بهؤلاء الثوار الشجعان. وتحفل مذكرات الشيخ عبد الوهاب النجار بكثير من اللقطات الذكية التي تنبئ عن مواهبه التاريخية. من ذلك ما تتضمنه مذكراته في 1 أبريل من نقد لما أوردته جريدة «التايمس» وهو النص الذي قرأه بعد نشره بأيام من صدور الجريدة في بريطانيا، أي عندما وصلت إلى مصر:

 

فاذا ما انتقلنا إلى ما تدلنا عليه المذكرات من فهم صاحبها المتقدم والعميق لطبيعة التطور التاريخي للثورات فإننا نري الشيخ عبد الوهاب النجار يشير بوعي أصيل إلى مدي مسئولية الإنجليز عن حوادث العنف وانتهاكات القانون التي كانوا يشجعونها، بل ينفذونها، عن سوء قصد، وذلك من خلال رجال البوليس السري التابع لهم. ويبدو الشيخ النجار واعيا بدرجة مبكرة للمعني الذي عرف بعد هذا بمصطلح «الثورة المضادة»، وقد قادته بصيرته الذكية، وملاحظاته الدقيقة لإدراك جوهر هذا المعني منذ مرحلة مبكرة.

 

ويرتبط بهذا المعني أيضا ما يتحدث به الشيخ عبد الوهاب النجار عن خطورة ازدواج قيادة العمل الوطني، وعن قدرة المستعمر على النفاذ إلى بعض القيادات الوطنية دون البعض الآخر، ونحن نجده بناء على ما كان يراه ويحسه ويستنتجه يعبر مبكرا عن خوفه من أن تكون هناك نية لتأليف وفد آخر يضاد عمل الوفد المصري، وهو المعني الذي يعبر عنه بوضوح فيما يرويه في مذكرات الخميس 3 أبريل. ثم إننا نري الشيخ عبد الوهاب النجار يعود إلى هذا المعني في مذكراته عن يوم الجمعة 11 أبريل، وهو ينجح في أن يلخص ملاحظاته ويومياته بمجمل الأخبار التي وردت بشأن الوفد (الآخر) الذي كان الحزب الوطني يعتزم تشكيله، ذاكراً أسماء أعضائه، ومبديا رأيه الصريح في فكرة هذا الوفد بما عرف عنه من اتزان وموضوعية.

 

ويرتبط تفكير الشيخ النجار في هذه القضية بما هو أكثر عمومية منها، وهو مبدأ اتحاد القوي الوطنية من أجل تحقيق الهدف الأعلى. وفيما قبل هذا بأربعين صفحة نجد الشيخ عبد الوهاب النجار وهو يصور في سعادة وصبور بالغين بعض مظاهر الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين في ثورة 1919 على النحو الذكي الذي أثبتته مذكراته عن يوم الجمعة 4 أبريل. ويتحدث الشيخ عبد الوهاب النجار في مذكرات يوم (8 أبريل) عن إعجابه الشديد بخطبة ألقاها القمص سرجيوس حث فيها بطريقته على الاتحاد من أجل مصلحة الوطن، ومقاومة المستعمر، وبين بذكاء أن بقاء الاحتلال الإنجليزي إلى زوال، وأن مصر لأبنائها، وعبر عن هذا المعني بصورة مجازية مركبة تتوافق مع ما هو معروف عن أسلوبه الخطابي اللطيف على حد وصف الشيخ النجار.  

 

وفي مقابل حديث مؤرخنا باعتزاز عن الوحدة الوطنية بين أبناء مصر فإننا نجده حريصا على أن يشير إشارات صريحة إلى ما لمسه بنفسه واضحا وضوح الشمس من تواطؤ بعض الأرمن مع الإنجليز في سبيل تعويق نجاح الحركة الوطنية، وهو ما يثبته على سبيل المثال في مذكرات الجمعة 4 أبريل. ومع هذا اليقين الذي وصل إليه مؤرخنا فإن الشيخ عبد الوهاب النجار يتحدث في مذكرات يوم السبت 10 أبريل بسعادة حقيقية عن نجاح مساعي الصلح بين المصريين والأرمن المستوطنين في مصر.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة