logo

متى تُسرق الثورة وممن؟

كثيرا ما اندلعت ثورات شعبية ذات مطالب حقيقية ومشروعة ولكنها سرعان ما انتهت إلى مآسٍ تجعل الناس يتمنون لو أنهم لم يثوروا أصلاً. وبنفس القدر هناك ثورات حققت نجاحات باهرة على أنقاض أنظمة قمعية أو عنصرية أو احتلالية وأنجزت تنمية حقيقية. إذن، ما هي عناصر نجاح أو فشل الثورات؟ هذا ما سنناقشه في هذه المدونة التي سنتعرض فيها لأهم المحطات التي يجب أن تمر بها الثورة والقضايا الأساسية التي تمثل أولوية، ثم نتعرض لشكل الدولة المؤهلة لإحداث تطور نوعي في حياة المواطنين. وبعد ذلك نناقش ظاهرة اختطاف الثورات وحرفها عن مساراتها المذكورة ومن ثم إفشالها عن تحقيق مقاصدها.

        

مراحل وقضايا الثورة الأساسية

المرحلة الأولى: فهي مرحلة ما قبل إسقاط النظام المستبد. في هذه المحطة يتم حشد كل الطاقات لإسقاط الاستبداد ومن أهم هذه الجهود إبراز حجم الظلم والفساد وكل سوءات النظام بغية تهييج الغضب الجماهيري وشحذ الهمم واسترخاس الأرواح في سبيل الانعتاق، مع الأخذ بعين الاعتبار أن عرض سوءات النظام يجب أن يبتعد عن اختلاق الأكاذيب لأن الجماهير لو اكتشفت هذه الأكاذيب فيما سيكون ذلك خصماً على سمعة الثورة في مراحل لاحقة.

  

المرحلة الثانية: فهي لحظة سقوط النظام وهي لحظة فارقة في عمر الثورة لأن سارقي الثورات يظهرون في هذه اللحظة، مما يتطلب حذراً من قيادة الثورة مع السعي الحثيث لتجميع صفوف الثوار. لحظة سقوط النظام هي اللحظة التي يحصل فيها فراغ سياسي فإذا لم ينتبه الثوار فقد تظهر قوى أخرى تلبس ثوب الثوار لتتحدث باسمهم وتستدر عطف الجماهير ليحصل إبعاد الثوار الحقيقيين الذين ألهبوا حماس الجماهير أثناء الثورة.

     

  

المرحلة الثالثة: فهي مرحلة ما بعد إزالة النظام، أي مرحلة ما بعد الثورة. تسود في هذه المحطة ثقافة التسامح وإزالة الحقد والكراهية لأن النظام قد زال وبالتالي فإن الإبقاء على الحقد والكراهية سيشكل خطراً على المجتمع في وقت تكون الحاجة فيه ماسة إلى الوحدة والترابط  ثم الإنطلاق لتحقيق الهدف المشترك. كثيراً ما تلجأ الحركات السياسية الناضجة إلى تغيير قيادتها في مرحلة ما بعد الثورة بحيث تقود القيادة الجديدة المرحلة بروح جديدة تتناسب مع طبيعة المرحلة. هذه المرحلة هي المرحلة التي يجب أن تنفذ فيها العدالة الانتقالية التي تعني جبر خاطر ضحايا النظام البائد من خلال تعويضهم مادياً وابتكار برامج لاستيعابهم في المجتمع وجعلهم مواطنين صالحين، بالإضافة إلى محاكمة المجرمين والفاسدين من النظام القديم وفق إجراءات قانونية واضحة بعيداً عن التهييج الإعلامي.

  

القضايا الثلاث التي يجب على الثورة معالجتها كأولوية قصوى

أولاً: كيفية التعامل مع بقايا النظام القديم. ذلك لأن بقايا النظام القديم يعرفون كل صغيرة وكبيرة عن الدولة وبالتالي فإما أن يتحولوا إلى نعمة أو نقمة. فلابد من التعامل معهم بلغة واضحة تصالحية مفادها أن النظام قد سقط ونحن جميعاً معنيون ببناء نظام جديد يلبي تطلعاتنا ويؤمن المستقبل لأجيالنا القادمة. بمعنى "أنتم شركاؤنا في البناء والتغيير فنرجو أن تساعدونا في التخلص من الفاسدين والعناصر التخريبية". من شأن هذه الخطوة أن يضمن ولاء بقايا النظام القديم ويسهل أيضاً التعرف على العناصر المخربة الفاسدة لأنها معروفة عندهم. أما إذا تم إطلاق الأوصاف على بقايا النظام القديم والتعامل معهم كأنهم مجرمين فإن ذلك سيضع عراقيل لا حصر لها أمام القيادة الجديدة، بل يكون مدعاة لأن يجدد هؤلاء ولاءهم للنظام القديم أو ربما قد يكونون عرضة للاستقطاب من قبل جماعة أخرى معادية للثورة.

 

ثانيا: وضع مشروع وطني شامل للنهوض بالبلاد حيث يجد فيه كل مواطن نفسه. من شأن هذا المشروع أن يشحذ الهمم ويحث على العطاء والتضحية في سبيل تحقيقه واقعاً. من أهم ملامح هذا المشروع أنه يعالج أهم القضايا الملحة في مجال الاقتصاد والسياسة والاجتماع والفن والدين في شكل نقاط واضحة يعكف عليها الخبراء الاستراتيجيون تحليلاً وتفصيلاً في شكل برامج وزارية في جداول زمنية تشكل استراتيجية الدولة في المرحلة القادمة، بحيث يتسلم كل وزير برنامج وزارته ويعلم كل موظف عام مهامه اليومية والاسبوعية والشهرية الذي على أساسه يُحاسب ويقيم أداؤه.

 

ثالثا: الخطاب سياسي في مرحلة ما بعد الثورة كقضية ثالثة يجب أن يكون خطاباً تصالحياً يستنهض الهمم ويرسم ملامح المشروع السياسي النهضوي الذي تشرئب إليه كل الأعناق. هذا الخطاب السياسي يجب أن يحس به كل مواطن بصرف النظر عن موقعه داخل أو خارج القطر وبصرف النظر عن مستواه التعليمي. فالخطاب السياسي الطموح ليس مجرد كلمات تقال أو تسطر على ورق وإنما مشاعر وأحاسيس وطنية جياشة تفيض فتغمر كل الشعب.

   

  

الثورات التي تتجاوز هذه الخطوات الثلاثة وتعالج القضايا الثلاثة لابد أن تحقق تنمية شاملة في فترة قياسية. من أهم ملامح هذه المرحلة المشحونة بالرغبة الصادقة في البناء أن المواطن يصبح رقماً مجرداً وتزداد قيمته بقدر ما يكتسبه من مهارات ومعرفة تمكنه من المساهمة في دفع المشروع النهضوي إلى الأمام. هنا ينتفي الكلام عن خلفية المواطن من حيث إنتماؤه السياسي والديني والقبلي وغيره لأن الدولة صاحبة المشروع لا ترى في المواطن إلا هذه القيمة، هذا الخطاب السياسي من شأنه أن يوجد زخماً سياسياً ومجتمعياً وثقافياً يستهدف الإبداع والابتكار في كل مجال وويبث الأمل في الجمهور حتى ولو كان هناك صعوبات معيشية.

 

التغيير الذي تقوده حركة نضالية تحت قيادة موحدة أو حزب سياسي مؤسس هو الذي يمكن أن يحقق نجاح الثورة. وهذا ما أكدته تجارب التحولات السياسية في إفريقيا عموماً في جنوب إفريقيا وموزمبيق ورواندا وساحل العاج وسيراليون والكنغو وغيرها من البلدان. القاسم المشترك بين هذه التجارب السياسية التي حققت نجاحات بارزة في الانتقال السياسي هو أنها اتبعت نفس الخطوات التي أشرت إليها وأبرزها المحطة الأولى التي أوحلت كثيراً من حركات التغيير خاصة في بلادنا العربية.

  

تتعرض الثورات لاختطاف في حالتين

الحالة الأولى: إذا لم يحصل انتقال وجداني من مرحلة الثورة إلى مرحلة ما بعد الثورة بحيث يظل الثوار محتفظين بأدبيات ما قبل الثورة. ونظراً لأن العاطفة ما تزال جياشة، من السهل جداً أن تأتي جماعة ليس لها علاقة بالثورة لتتحدث ياسم الثورة وتبالغ في دغدغة هذه العاطفة الجياشة وكأن النظام لم يسقط فينساق الثوار وراء هذه الجماعة.

   

   

الحالة الثانية: هي الحالة التي يتعرض فيها بقايا النظام للاتهام بالجملة ويطلق عليهم الأوصاف باعتبارهم غير مرغوب فيهم في الوضع الجديد ولابد من التخلص منهم. في هذه الحالة سيكون هؤلاء عرضة للاستقطاب من جهات غالباً ما تكون معادية للثورة ولكنها تتبنى خطاً تصالحياً فشلت الثورة في تبنيه وتظهر كأنها المنقذ فتتدافع الجماهير إليها فيحصل الاختطاف. وفي كل الحالين يحصل نوع من السيولة السياسية وعدم اليقين لأن الجهات التي تختطف الثورات في الغالب لا تملك برنامجاً أو مشروعاً وطنياً. وإنما تكتفي باختلاق عدو وهمي وتطلب من الجماهير الانشغال بمحاربته وكراهيته حتى تتمكن هي من الاستيلاء على مقاليد الحكم. عندما تشجع الدولة الكراهية ضد فصيل سياسي أو جماعة أو قبيلة باعتبار علاقتها بالنظام القديم فإن الكراهية ستصبح ثقافة مجتمعية مدمرة ليس للجماعة المستهدفة وإنما ستسهم في فتق النسيج الاجتماعي مما سيجعل المواطن منشغلاً بتأمين نفسه ومصالحه مع عدم رغبته في الانتاج أو القيام بأي عمل فيه خير للجماعة الوطنية ، علماً بأن المنابر سيستولي عليها المخربون الذين يعزفون أنغام الكراهية. مثل هذه البيئة ستكون بيئة آسنة مواتية للاستقطاب السياسي الحاد وربما الحروب الأهلية.

 

فشل الثورة يعني إما استمرار الفشل لتصنف الدولة ضمن الدول الفاشلة فيصبح المواطن تائهاً يائساً هائماً على وجهه لاهثاً وراء لقمة عيشه، أو أن يحدث إنقلاب عسكري يأتي لينقذ مهما محددة. وفي هذه الحالة لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه وإنما الإنقلاب نفسه سيكون ذراعاً لجهات خارجية مهمته أن ينفذ الأجندات الخارجية دون أدنى اعتبار لمصالح البلاد إلا في إطار ما يتواءم مع مصالح الأسياد.



حول هذه القصة

لم تعد تفاخر بمظهرك الرث بعد اقتحامٍ كساك بالغبار.. وها أنت ذا تجبر نفسك على حِمية لتخفيف وزنك! أنت نفسك الذي طوى الجوع يوماً معدته على ظهره عند اشتداد الحصار.

نيل حكومة دياب ثقة المجلس النيابي تضعها بمواجهة اللبنانيين، بعدما تخاذلت الحكومة السابقة عن تحمل المسؤولية وقدمت استقالتها هرباً منها، ووصل خذلانها حد التخلّي عن القيام بواجبها كحكومة تصريف الأعمال.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة