logo

عام من الحراك.. الجزائر إلى أين؟

بعد أيّام سيُكمِل الشعب الجزائري عاماً من حِراكه السلميّ المتواصل، بمعنى أصبح من الواجب تقييم المرحلة السابقة، وأهم شيء تحليل الخطة المتعثرة للدمقراطية أو التغيير المنشود، ما من داعٍ لتكرار الجدل حول ما يحدث على المستوى الرسمي والذي لا نفقه فيه شيئَا، بل نعرفه عن طريق التصريحات والخطابات وليس حصرًا لنا بل لجميع المتتبِّعين للتطورات السياسية في العالم، وعليه كل من يحاول أن يتكلّم بحصريات تُثير التعجُّب فنقول له لا بأس فنحن نعرف جيداً سياساتنا الحكومية الأكثر من غامضة ومهما حاولنا التخمين لن نقع في الصواب.

 

تفاءلنا زيادة عن اللزوم، في السياسة المتفائلون لا يستطيعون تحقيق التطور على عدة مستويات اقتصادية، اجتماعية وأمنية ما داموا مبتهجين بالواقع المُزري، ما يجعلهم محصورين بمنطقة الأمان ظنًا منهم أنّ العالم ثابت والعقليات لا تتغيَّر، وبالعكس صانع القرار المُتلبِّك نوعًا ما أو المتشائم وطبعاً خلف الستار، تجده يبحث باستمرار عن الحلول والبدائل نتيجة إدراكه لمنطق المصلحة، ربما المتشائم والمتفائل لا يخدمان مطالب الشعوب الدقيقة وبتفاصيلها بقدر ما يخدمان المصالح الآنية وعليه وجب أن تُحدِث النُخب الأكاديمية والمثقفة أو الطامحة للتغيير توازنًا بين الأمرين لتخرج بالمتشائل الذي لا يلبث طويلاً بمنطقة الراحة بل يقبع هنيهات بشرنقته للتأمل في المشاكل التي تُحيط به، ما عدا ذلك لن ترَ الفراشة النور ولن يستمتع العالم بألوانها الربيعية إلى حين احتراقها لتُولد من جديد.

 

السياسة ليست بمعزل عن الحياة الاجتماعية وسبب فشل صُنّاع القرار وتدهور الأوضاع بالجزائر ناجم عن تجاهلهم للمطالِب الشعبية الحقيقية، ناجم عن الاهتمام بالعلاقات الخارجية على حساب الأزمات الداخلية، ربما سيخرج لنا منتقد ما، فيقول: "لا، بل صانع القرار الجزائري ذكي يُجيد التفاوض حول الأزمات الخارجية حتى لا تنقلِب الأمور داخلياً". نعم، ذلك أمر لابُدَّ منه وبديهيات لا يجب التفاخر بها، بل يجب إعادة النظر في أحوال الشعب الذي لم يتخلَّ عن الخروج للشارع كل جمعة وبعد أيام سنُكمِل عامنا الأوّل من المطالبة بالتغيير الذي ما تزال ملامحه ضبابية وبعيدة عن مرمى النظر.

 

في الجزائر، لا أحد يستمع للآخر، مشاكلنا مرميّة على الرفوف، هي أكبر من أن نقوم بحلّها شعبوياً، هي معضلات تتطلّب تدخلاً حكومياً رفيع المستوى،

ربما يجب أن يتشاءَم صانع القرار الجزائري قليلاً ويتحرّر من منطقة الأمان التي أحاطتْه بعد الانتخابات والتذكير هنا ضروريّ مفاده: "أنّ عدد معين من الشعب اختار والبعض الآخر فضَّل العُزوف، وحتى الذين اختاروا نراهم اليوم نادمين وهذا وذاك تؤكده مواقع التواصل الاجتماعيّ، وهذه الأخيرة جزء لا يتجزأ من حياتنا بل البعض لا يبرحها هرباً من الواقع الذي استنزف أحلامه".

 

إذا قمنا بمقارنة الجزائر قبل الحراك وبعده سنخرج باستنتاجات إيجابية مفادها: وعي أكثر، ثقافة الحوار بدأت تنتشر نوعاً ما لكن رغم ذلك ينقصنا الالتزام والابتعاد عن الجهوية هذا على المستوى الشعبويّ، أمّا على المستوى الرسمي فكل شيء ما يزال على حاله ذات السياسات رغم تغيُّر طفيف في الأسماء، قد يقول البعض ما يزال الوقت مبكراً لإطلاق الأحكام وفوق هذا مُسبقة.

 

لا، ليست مُسبقة ولا متأخرة، لأنّنا نتحدَّث عن دولة وشعب، ولا نتحدَّث عن طبخة فوق النار، نُناقش خططاً وبرامِجاً، ولا نتساءل عن التوابل وما إذا كان المرق ساخِناً أو باردا، في السياسة أن تكون أو لا تكون، ولحدِّ الآن لا شيء يبعث بالإيجابية: التغيير مُتعَثِّر، الديمقراطية التي تُعتبر أقل أنظمة الحُكم سوءً ما تزال بعيدة المنال إن لم نقل شبه مستحيلة، والمتفائِل ها هنا يجب أن يضع خُططاً بدل الوعود، يجب أن يمنح فُرصاً للشباب بدل أن يُسكِت طموحاتِهم بالخطابات، والأيام القادمة قادمة لكن هل سنكون نحن فيها بعقليات تتماشى والتطورات الحاصلة في العالم أم سنحمل معنا متاعاً غير صالح للاستعمال؟

  

إذا كان عدد كبير من الشباب المثقفين والمُتعلمين أكبر أمنياتهم الهجرة إلى مكان يمنحهم بعض الاهتمام لينفجر شغفهم من جديد، سأتجرأ وأقول نعم، هم لا يبحثون عن المادة بقدر ما يبحثون عن الفرصة ليقولوا ها نحن ذا بشر وعندنا أدمغة ونستطيع البحث والاكتشاف، لدينا قُدرات إبداعية هائلة فقط استمعوا لنا وهذا طبعاً معدوم في الجزائر، لا أحد يستمع للآخر، مشاكلنا مرميّة على الرفوف، هي أكبر من أن نقوم بحلّها شعبوياً، هي معضلات تتطلّب تدخلاً حكومياً رفيع المستوى، تتطلّب وضع بدائل سريعة ولولا ذلك سنستمر في طرح السؤال: أين هو الشباب الجزائري؟ وسيُواصل العالم الخارجي تهميشنا أيضاً لأنّ المسؤولين لم يُكلّفوا أنفسهم بالإجابة عن السؤال الذي ما يزال مطروحاً منذ الاستقلال: الجزائر إلى أين؟

  

الحراك السلميّ متواصل مادامت مطالب الشعب غير مرئية، ونحن لا نُناقش النتائج التي لم تخدمنا بعد فطوال السنوات الماضية لم يتكوّن إعلام حقيقي ولا قنوات تواصل، وبعد الحراك تأزّم الوضع أكثر، كأنّ الوعي الشعبي قد كشف السِتار عن الفوضى الحاصلة ووضع المسؤولين في ورطة، ولا مهرب لهم اليوم إلاّ السكوت والتظاهر بإيجاد الحلول وكلّ هذا وذاك يكبت أحلامنا أكثر، فإن لم يكن لنا متسع في أوطاننا لنعمل ونُبدع من سيتحملنا؟ فهل من جواب أم سننتظر لسنوات أخرى.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة