logo

جملة واحدة في القرآن صورت مراحل الإدراك العقلي للبشر

يقول الحق جلّ جلاله "رأيتهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون" وفي هذه الجملة من الآية تتلخّص مراحل الإدراك البشري التي عرفنا بعضا ولا يزال بعضها خافيا على العقل البشري، ولا تصدقوا أحداً يتصور أو يصور لكم إننا كعلماء أو أطباء عرفنا كل مراحل الإدراك العقلي البشري، فنحن لا نزال في مرحلة مبكرة من الفهم، ولا تزال أمامنا مراحل كثيرة للبحث والدرس والفهم والهداية والمصادفة حنى نصل إلى الفهم الكامل لعلم وظائف الأعضاء.. وربما لا يصل إليها البشر في هذه الحياة الدنيا.

   

مع هذا فلنبدأ بما نعرفه من الفروق بين الألفاظ الثلاثة فالفرق بين النظر والبصر يكاد يكون معروفاً، وباختصار شديد أو ببلاغة شديدة فإن النظر وظيفة العين أما البصر فلا يتم إلا في المخ عبر العصب البصري الذي ينقل الصور المتكونة لتتم ترجمتها في المخ على نحو ما نعرف من أن هذه صورة إنسان وهذه صورة شجرة، وهذه صورة عين وهذه صورة جفون، وهذه صورة رموش.. وهكذا، كل هذا الإبصار لا يتحقق للعين من مجرد النظر وإنما هو يتحقق من خلال اتصالها بالمخ عبر العصب البصري. كثيرون منا يعرفون هذا المعنى بتعمق ويستعملونه في كتابتهم وفي حديثهم، حتى إنهم يقولون على سبيل المثال ذلك القول البسيط المعبر: "كنت شايف ومش عارف" يعني مثلا أنه رأى ظلاً لكنه لم يعرف لأي شيء هذا الظل.

   

ننتقل إلى المرحلة الأعلى من البصر وهي مرحلة الرؤية وهنا يسهل على كثيرين أن يقولوا إن الرؤية عملية عقلية تعتمد على البصر وتضيف إليه من الذاكرة ومن المشاعر العليا ما يحول البصر إلى رؤية، ومن ثم تختلف هذه الرؤية تبعا لما وعته الذاكرة فأنت تدرك مثلاً أن فلانا إذا احْمرَّ وجهه فهو خجلان بينما صديقه إذا احْمرَّ وجهه فهو ثائر بينما صديقهما الثالث إذا احْمرَّ وجهه فإنه ليس بخجلان ولا ثائر ولكنه تجرع من الكحوليات القدر الذي قاد إلى تكاثر الدم في وجهه حتى يظهر على صورة الاحمِرار.. وهكذا.

  

القلب المقصود ليس هو الحجرات الأربعة والشرايين وإنما هو الباطن كله بما فيه من العقل الواعي والعقل الباطن والضمير والذاكرة والشهوة والذائقة وما إلى ذلك

في هذه العملية البسيطة تعتمد "رؤيتك" على "ذاكرتك" في تفسير "بصرك" الذي تحقّق بعد "نظرك" أي أن الرؤية تفوق البصر بما تختزنه الذاكرة من آليات مفسرة، لكن الأمر في الرؤية لا يقتصر على الذاكرة وحدها ذلك أن هناك عوامل أخرى تمد المخ البشري بما يحول البصر إلى رؤية من هذه العوامل "الذائقة" التي تجعل الشاعر يُحسّ في الزهور بما لا يُحسّه الإنسان العادي من أمثالناK ومن هذه العوامل "الشهوة" ومثيراتها التي تجعل الإنسان يرى في أنثى ما جمالاً لا يراه شقيقه ولا توأمه، وتجعل الأنثى ترى في الرجل جمالاً ما لا تراه شقيقتها.

   

من هذه العوامل التي تؤدي إلى صياغة الرؤية ما نسميه بالعقلية الحسابية التي تدرك من توالي الأرقام أو الكميات نتائج تطورية أو مقارنة فتدرك بمجرد النظر أن هذا أكبر في كميته أو مقاديره.. وهكذا، ومن هذه العوامل القدرات الهندسية التي تستطيع أن تدرك النسق الكامن في علاقة الجزئيات الموجودة في الشيء المرئي، لا أريد أن أفيض ولا أن أستفيض في الحديث عن مثل هذه العوامل القادرة على الحصول على رؤى مختلفة لكني أحب أن أسارع الآن إلى القول بأن هذه العوامل حسب إدراكنا البشري الحالي لعلوم وظائف الأعضاء لا يمكن القول بأنها جميعاً عوامل عقلية ترتبط بمراكز المخ ووظائفه العليا فمن الواضح لكل إنسان أن هناك من هذه العوامل ما نعرف علاقته بالعقل وأن هناك منها ما نعرف علاقته بالقلب وإن كنا لا نعرف أين يتم القلب إدارته أو تحكمه فيه.

  

صحيح أننا نستطيع أن نتخيّل مثلا أن المراكز القلبية المتحكمة في صياغة الرؤية موجودة في المخ بتلافيفه وبتركيبه لكننا حتى هذه اللحظة لا نستطيع أن نقول أننا نملك وسائل قياس للآليات الفسيولوجية التي تتم فيها على نحو ما نملك من وسائل قياس الضغط والتركيز في المستقبلات الضغطية والكيماوية، نعرف إذن أننا نستطيع بما وهبه الله لنا من العلم أن نقول إن هذه عوامل مرتبطة بالذات أي بذات كلّ إنسان لكننا لا نستطيع أن نزعم أننا قد وصلنا إلى فسيولوجيا تكوين "الرؤية" على نحو ما وصلنا إلى وسائل تكوين "النظر" و"البصر". فإذا أردنا تعسفاً من التعسفات الجوادية في تلخيص كل شيء بطريقة رياضية فمن الممكن أن نقول إن

البصر = نظر +عقل

الرؤية = بصر +عقل + قلب

   

بيد أننا لا نستطيع أكثر من هذا إلا أن نقول إن القلب المقصود في هذه المعادلة ليس هو الحجرات الأربعة والشرايين وإنما هو الباطن كله بما فيه من العقل الواعي والعقل الباطن والضمير والذاكرة والشهوة والذائقة وما إلى ذلك كله مما يفوق المشاعر العليا التي كنا نقول إنها موجودة في الفؤاد الذي جزء من المخ. ولهذا كله تخاطب الآية نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه يراهم ينظرون ويراهم لا يبصرون ما نظروا إليه.. وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة