logo

استمتع ما دمت تستطيع

"أسرعوا للحياة، أسرعوا للحب، لأنكم لا تعرفون الوقت المتبقي في حساب أعماركم.. نظن أن لدينا ما يكفي من الوقت، لكن الحقيقة خلاف ذلك، سندرك بعد فوات الأوان أننا بلغنا نقطة اللارجوع، اللحظة التي يدرك فيها المرء أنه فوت فرصة الحياة"

غيوم ميسو

  

هل تجرأت يوما ما عن سؤال أحد كبار السن عن أكثر شيء ندموا عليه وهم في المحطة الأخيرة من عمرهم؟ ترى ما كانت الاجابة؟ وكيف أثرت عليك أنت الشاب اليافع، خصوصا إن كان الشخص الموجه إليه السؤال هو أحد ممن تكن لهم كل الاحترام والتقدير؛ كالأم، الأب، الجدة، والجد!؟

  

جلست ذات يوم ليس ببعيد، أتأمل الحياة، أراجع أفكاري، وألوم نفسي عن أخطائي. ثم فجأة خطر في بالي وحي سؤال: عندما أصبح فتاة في الأربعين والخمسين، ما أكثر شيء سأندم عليه؟ انتابني الفصول لمعرفة الجواب، وبالطبع ولأنني ما أزال في العشرينات لن تكون لي دراية بالأمر، لذلك اتجهت بسؤالي إلى تلك العظيمة التي لا تعوض، إلى أمي، بعد دقائق معدودة فقط من الاستماع، استطعت أن أخرج بجواب-ولو أنه نسبي- يشفي غليل فضولي.

 

إن تفويت فرصة الحياة، أكثر شيء يحز في نفس الإنسي، فعندما سنقف جميعا على مشارف الخمسينات، سننظر من قمة جبل عال إلى جل إنجازاتنا في الحياة الماضية، حينها سندرك فقط أننا ضيعنا على أنفسنا فرصة العيش! فما الذي فوت علينا فرصة الحياة الواحدة؟ محاولة مني للعثور على جواب هذا السؤال وجدت أن "الخوف" هو المتربص على القائمة، يليه "الحزن"، ثم الكثير من "إنني لا أستطيع"، جرعة من "تضخيم الأمور"، رشة من "أقوال الآخرين"، وانتهاء بك أنت نفسك.

 

عش حياتك بكل تفاصيلها، لأنك تعيش مرة واحدة، وهي كافية إن علمت كيف تعيشها. إن المرء يندم أكثر على تجارب لم يخضها، ومغامرات لم يعشها، فاصنع لنفسك قصة ترويها لأحفادك

الخوف، ذلك الوحش غير المرئي الذي يفتك بقلبك الصغير من الداخل، الذي يمنعك من الشعور بالسلام والراحة، وعندما نتحدث عن الخوف؛ فإننا نقصد بذلك القلق أيضا، رغم الاختلافات البسيطة بينهما. عندما يسيطر الخوف والقلق على حياة الانسان، فإن هذه الأخيرة تتحول إلى جحيم حقيقي. إذ إن الفرد يفقد ثقته بنفسه، ولا يستطيع القيام بأشياء عديدة. فترى هذا يخاف المرتفعات وبذلك يكون قد حرم على نفسه تسلق الجبال، أو الصعود على مثن الطائرة مثلا. وترى الأخرى تخاف من الظلام وبذلك تكون قد حرمت على نفسها الجلوس في الظلام ومشاهدة قمر السماء والنجوم. وترى هذا وذاك خائفان من الابتعاد عن الحدود التي رسموها لنفسيهما، وبذلك يكونان قد حرما على نفسيهما متعة السفر واستكشاف أماكن وثقافات جديدة. وأكثر المخاوف تفاهة هي تلك الناتجة عن أفكارنا نحن، نبدأ بتخيل أشياء عجيبة ثم نصبح رهائن لها، ووصفتها بالتافهة لأن نسبة حدوثها في الواقع هو، صفر بالمئة! فلماذا أحرم نفسي من نعمة السلام بسبب أشياء قامت مخيلتي بابتكارها؟

 

الحزن، شعور يُشعر المرء بالضعف والألم، ويفقده طعم السعادة، الضحك، والفرح. غالبا ما يحزن المرء على أشياء عاطفية، كفقدان أحد الأحبة، أو عند تعرضه لموقف كسر قلبه…، وهذا طبيعي جدا، لأن للإنسان وجد ليشعر! إلا أنني هنا أتحدث عن الحزن الذي يُغرق الانسان في القاع، الذي يفقده طعم الحياة، الذي يرغمه على الجلوس في غرفته والبكاء على أشياء لن تعود، أو أشياء لا تستحق. احزن نعم لكن لا تبالغ في الأمر، ولا تكن حساسا أكثر من اللزوم، لأن هناك حياة في الخارج تنتظر أن تعيشها، إنها هناك من أجلك أنت، خلقها الله من أجلك. وما دامت تؤمن بالله-مهما كانت ديانتك- فإنك أكيد تؤمن بأن كل شيء يحدث لسبب، وكل شيء يحدث بسبب القدر!

  

"لن أشارك في هذه المسابقة لأنني لا أستطيع حتما سأخسر، لأنني إنسان ذو حظ ٍ تعيس!

لا لا أستطيع يا إلهي إنني خائف!

لا لن أفعل لأن الناس سيضحكون علي وسيهزئون بي!"

حتما يا صديقي لن تستطيع لأنك وبكل بساطة لا تريد أن تستطيع، فلو أردت شيئا بشدة، لجعلت من المستحيل ممكنا، وما دمت مسجونا ومقيدا بأفكارك السليبة التي ملأت بها عقلك الباطن، فحتما إنك لن تستطيع فعل أي شيء، وبهذا فإنك قد تكون فوت على نفسك فرصة لتحيا بدل العيش فقط.

 

إن الانسان هو عدو ثان لك، لأن عدوك الأول هو أنت نفسك! والسبب بكل بساطة لأنك أنت من سمح لغيرك بالتدخل في حياتك، وأخذ القرارات بدلا عنك. أنت من سمح لأناس تافهيين، لا هدف لهم في الحياة سوى جعل حيوات الآخرين جحيما بأقوالهم قبل أفعالهم بأن يتحكموا فيك بألسنتهم، فتتخلى عن أشياء تريدها بشدة فقط كي لا تكون محط حديث هؤلاء العدميين! فتراك تعطي شخصا أكثر من حجمه لأنك تحبه وهو لا يهتم بوجودك، أو لا ترتدي قطعة ثياب تحبها فقط لأن أحدهم أخبرك أنه لا يحبها، أو تتجنب الذهاب إلى مكان ترغب فيه لأن أحدهم لم يعجبه ذوقك في اختياره، وغيرها من المواقف التي يجد الإنسان نفسه وسطها ومضطر لتحملها ليرضي ذلك الآخر الذي لن يكلف نفسه إرضائك أبدا! والخاسر الوحيد هو أنت!

 

عش حياتك بكل تفاصيلها، لأنك تعيش مرة واحدة، وهي كافية إن علمت كيف تعيشها. إن المرء يندم أكثر على تجارب لم يخضها، ومغامرات لم يعشها، فاصنع لنفسك قصة ترويها لأحفادك وأنت فخور بنفسك لأنك حققت الغاية من وجودك. اهتم بصحتك، أحب نفسك، دللها، اقض وقتك مع من تحب، ابتعد عما تكره، سافر قدر ما استطعت، اكسر القواعد وا ستمتع بالجنون قليلا، اخلق المرح لحياتك، اعشق، أرقص، اضحك، فلا شيء يدوم للأبد، فيوما ما ستقف عند نقطة الارجوع، نقطة ستعرف عندها إن كنت ستغمض عينك مبتسما لأنك حققت غايتك، أم أن روحك الحية ستتحرر أخيرا منك، وتطير نحو الماضي لتعيش جل اللحظات الحلوة التي أبيت أنت عيشها.

 

 



حول هذه القصة

حان الوقت لنصْحو من هذا السُبات الذي ينفذْ إلى دواخلِنا، ويشلّ الحياة في أوردةِ الدّم، فتتخثر بالكبتِ الذي لا يُعطي أيّة تفسيرات، ويُمِيت الطبيعة التي أوجدها الله في كلّ إنسان.

من أهم أسباب الشعور بالحزن المستمرّ، هو طرد الفرح من حياتك، حتى لو أتى إليكَ ضيفًا راجيًا مجاورتك، لطردته بعيدًا، وبالفعل، قد يبالغ بعض الناس في وصف أحزانه ونكبات حياته.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة