مدن الملح.. الرواية الملحمية للبادية العربية!

عبد الرحمن منيف هو من الأدباء العرب الكبار الذين غُمِطوا في حقهم ولم ينالوا ما يستحقون من تقدير وتكريم، رغم الانتشار المعقول لأعماله وذيوع صيته في الأوساط الثقافية العربية. ولو لم يكتب منيف غير رائعته الملحمية "مدن الملح"، لكان بالطبع مستحقًّا لأن يصنَّف في عداد كبار أدباء العرب والعالم في كل العصور. 

ما يجعل رواية "مدن الملح" عملًا أدبيًا ذا قيمة عالية ونتاجًا إبداعيًا فذًّا ليس فقط حجمها الضخم البالغ خمسة أجزاء، كل جزء في مجلد مستقل (التيه، الأخدود، تقاسيم الليل والنهار، المُنبَتّ، بادية الظلمات)، والتي يصل عدد صفحاتها إلى بضع مئاتٍ وألفين، وإنما، وبشكل رئيسي، عمق التحليل النفسي للشخصيات الروائية، وبُعدَ الغور، وإجادة الحبكة، والغوص في التاريخ والاجتماع والسياسة غوصًا ينمّ عن ثقافة المؤلف الأصيلة ونظرته الثاقبة.

 

ليست "مدن الملح" رواية للتسلية وتزجية الوقت، رغم ما في قراءتها من متعةٍ لا مجال لإنكارها، وإنما يمكن لنا أن نصنّفها في خانة الأدب الواقعي التاريخي. إنها عمل أدبي خيالي، ولكن إسقاطاتها على التاريخ والواقع هي مما لا يخفى على القارئ اليقظ المتنبّه. وليس الكاتب صاحب نظرة حيادية، ولكنه يظهر انحيازه للإنسان عامّةً ولأهل البادية بشكل خاص. على أن سرديته تظهر درجة عالية من التمكن وإجادة الصنعة تكاد تخفي مواقف الكاتب وعواطفه، ولكن القارئ المتمعّن المتعمّق يستطيع أن يستشفّ البُعد الإنساني الذي يختبئ خلف مأساة البادية التي ولّدتها إرهاصات ظهور النفط وما تبعه من أحداث وفجائع. 

 

"مدن الملح" هي رواية تأسيس "المملكة الهديبية"، في الجزيرة العربية، على يد السلطان "خريبط" سليل آل هديب وتمكين هذه السلالة من الاستيلاء على الحكم في هذه الدولة التي كانت مدينة "موران" الخيالية عاصمتها. ولا نجزم قاطعين، وإنما نرجّح ترجيحًا كبيرا أن تكون "المملكة الهديبية" محاكاة للمملكة العربية السعودية، وأن يكون السلطان "خريبط" هو الشخصية الروائية الخيالية التي تحاكي الملك عبد العزيز آل سعود، الذي أسس الدولة التي اتخذّت من سلالته اسمها الذي طمس الأسماء التاريخية للبادية العربية. 

 

ويمتدّ زمن الرواية إلى عهدَيْ ولديْه "خزعل" و"فنر"، اللذيْن خلفاه في الحكم بعد وفاته. وخريبط الذي اشتهر بالعدد الهائل من الزيجات والإماء والذرية، فإن ولدْيه "خزعل" وأخاه غير الشقيق "فنر" كانا أكبر أبنائه، في سنٍّ واحد. خزعل كان ذا قوة جسدية فائقة وولع بالنساء والذرية يشبه ولع أبيه، ولكنه كان محدود الثقافة وغير مهيئٍ لاستلام الملك من بعد أبيه. أما "فنر"، ضعيف البنية الجسدية والذهين (أي الذكيّ، حسب لهجة البدو)، فَقَدْ كان واسع الثقافة والاطلاع وصاحب الأسفار والمرشّح الأرجح لولاية العهد، فإنه خسر هذه الأرجحية إثر حادثة مشبوهة أنقذ فيها خزعل والده السلطان من محاولة اغتيال. وهكذا صار خزعل سلطان المملكة الهديبية بعد وفاة والده.

 

خُلِعَ خزعل من الحكم إثر انقلاب قام به شقيقه "فنر"، بتأييد من الأمراء الأشقاء، بعد سفره إلى ألمانيا لتقضية شهر العسل لواحدة من زيجاته المتكررة. وبعد أخذ وردٍّ ومماطلة، تكرس الأمر الواقع ببقاء السلطان المخلوع خزعل في منفاه، حيث توفي، ووطّد السلطان الجديد "فنر" اركان حكمه وقام بإبعاد رجال العهد السابق من العاصمة، فسجن من سجن ونفى من نفى، وانتهى عهده عندما اغتاله أحد أبناء العائلة الحاكمة. ولسنا بحاجة إلى كبير عناء لندرك أن شخصية السلطان خزعل هي محاكاة لشخصية الملك سعود بن عبد العزيز، وأن شخصية السلطان فنر هي محاكاة لشخصية الملك فيصل بن عبد العزيز.

 

أما أبرز شخصيات الرواية من خارج العائلة المالكة فهي شخصية الطبيب الشامي الدكتور صبحي المحملجي، الذي قدم إلى "حرّان"، إحدى الموانئ النفطية في المملكة الهديبية، بحثًا عن فرص للنجاح والثراء. وبعد إقامة قصيرة في هذه المدينة الناشئة، أسس فيها مستشفى وأصاب نجاحا ماديا معقولا، سرعان ما انتقل إلى "موران"، عاصمة المملكة، حيث نجح نجاحا ماديا باهرا ووصل إلى قصر السلطان "خزعل"، فصار أكثر من الوزير الأول والمستشار الأبرز، صار حاكم الظل الفعلي الذي يرسم الخطوط الأساسية لسياسة السلطنة ويطبخ معظم قرارتها. 

 

وهناك شخصيات أخرى تستحق الاهتمام في الرواية. منها "غزوان المحملجي"، الولد البكر للدكتور المحملجي، وقد استغل فرصة دراسته الجامعية في الولايات المتحدة لكي يؤسس شركة كبرى في الاستيراد والتصدير لعقد الصفقات في البناء والسلاح بين المملكة الهديبية والولايات المتحدة الأمريكية؛ وقد تفوق غزوان على والده في النجاح المادي الباهر. وشخصية "مفضي الجدعان" الطبيب العربي الشعبي الشهم الذي كان يداوي أهل موران مجّانًا، مستخدمًا الطب العربي الشعبي؛ وهو يمثل قيم فروسية وكرم البادية العربية في وجه انتهازية وجشع "مدن الملح" التي بناها اكتشاف النفط. وشخصية "هاملتون"، الإنكليزي المحب للآثار وللثقافة، الذي صار "عبد الصمد"، بعد أن اعتنق الإسلام، والذي كان له الدور الأساسي في تثقيف الأمير "فنر" وتهيئته للحكم. 

 

رواية "مدن الملح" رائعة أدبية ملحمية تضيء على حقبة عظيمة الأهمية من تاريخ الجزيرة العربية، وهي قراءة ضرورية لكلّ من يهتم بالعرب وباديتهم ونفطهم. والأديب الكبير عبد الرحمن منيف روائي من الطراز الأول يستحق كل تقدير وإجلال على عمله الروائي المنحاز لإنسان البادية والمشرّح للظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي واكبت الطفرة النفطية العربية. وهذا كله ليس غريبا على أديب بقامة منيف الذي، نظرًا لشجاعته الأدبية ولجرأته في النقد السياسي، حُرِمَ من الجنسية السعودية. 



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة