الإكراه الديني.. وموقف الإسلام من ممارسته!

blogs قرآن

كثير من فقهاء الإسلام تحدثوا عن الحكم الشرعي لمن يكره على فعل المعصية، لكن قل منهم من تحدث عن الحكم الشرعي لمن يكره على فعل الطاعة، ولعل ذلك راجع إلى أن هذا الأمر الأخير لم يكن موجودا في مجتمعهم كما هو في مجتمعنا الآن، إذ نلاحظ أن المسلم كثيرا ما يُجبَر على طاعة ربه من قبل الأفراد الآخرين، حيث يتم إجباره بشكل مادي أو رمزي على فعل ما أمر الله به أو ترك ما نهى عنه، ولو كان ذلك يمارس في حق الصغير الذي لم يبلغ بعد سن الرشد لقلنا إنه وسيلة من وسائل التربية على التعاليم الدينية عند وجود ظروف تقتضي ذلك، لكن والحال أنه يمارس في حق المسلم البالغ المستوفي لجميع شروط التكليف فيصعب جدا أن نجد تفسيرا معقولا لهذا الأمر.

فتجد مثلا هناك من يجبر ابنه العشريني على تأدية فريضة الصلاة، وتجد هناك من يجبر ابنته الراشدة على ارتداء اللباس الساتر، وتجد أيضا من يُرغِم ابنه أو بنته أو أخته على الابتعاد عن أي علاقة جنسية أو عاطفية خارج مؤسسة الزواج، بل قد تجد المجتمع بكامله يمارس هذا الإجبار حينما تكون نظرته للعصاة من المسلمين بشتى أنواعهم وأشكالهم نظرة تنقيص وازدراء بدل أن تكون نظرة عطف وإشفاق، فهو لا يعطي أيَّ تفسير لسلوكاتهم المنحرفة غير إعراضهم المتعمَّد عن التعاليم الدينية وتنكرهم لها عن قصد، ولا يبالي أبدا بباقي العوامل الحقيقية الأخرى التي قد يكون لها دور كبير في تلك الانحرافات السلوكية والأخلاقية.

مقام الحرية، فهو يكمن تحديدا في علاقة الإنسان بغيره من المخلوقات، فالحرية في تصور الإسلام معناها: أن يتخلص الإنسان من كل أنواع التسلط التي تمارس عليه من طرف الغير، فلم يرد استعمالها في ثقافتنا الإسلامية إلا في هذا السياق

فهذا الإجبار مما يجعل الكثير من الممتثلين للتعاليم الدينية لا يمتثلونها عن حب وصدق واقتناع، قياما بحق العبودية لله تعالى وتحقيقا لمقتضياتها السامية لأجل نيل رضاه وتجنب سخطه، وإنما يمتثلونها فقط خوفا من هذا الإجبار البشري ماديا كان أو رمزيا على السواء، ومن ثم لا يكون الفعل والترك لله وحده، فينشأ شرك عملي ونفاق اجتماعي بشع، لا يتحمل أوزاره في النهاية إلا الإسلام والمسلمون.

كما أنه من جهة ثانية يدفع ببعض المسلمين الآخرين إلى التمرد على تعاليم الله وأحكامه جملة وتفصيلا، خصوصا من يغلب على شخصيتهم صفة العناد وحدة الطبع، فتجد أحدهم ربما لم يمتنع عن طاعة ربه إلا بسبب أنه أجبر عليها، نكاية في المُجبِر فردا كان أو مجتمعا ورغبة في انتصاره عليه، ومن ثم فربما يعتبر امتثاله لطاعة الله في خضم هذا الصراع انهزامية منه وضعفا واستسلاما. ولكي نبرز موقف الشرع الإسلامي من هذا الإجبار لا بد أن نعرج على مسألة الحرية وموقف الإسلام منها لأن الأمور بأضدادها تتميز كما يقال، فحسب الفلسفة الإسلامية فإن للكائن الإنساني مقامين أساسين لا ينبغي أن يتم الخلط بينهما:

المقام الأول: مقام الحرية، فهو يكمن تحديدا في علاقة الإنسان بغيره من المخلوقات، فالحرية في تصور الإسلام معناها: أن يتخلص الإنسان من كل أنواع التسلط التي تمارس عليه من طرف الغير، فلم يرد استعمالها في ثقافتنا الإسلامية إلا في هذا السياق، من ذلك ما أثر عن عمر بن الخطاب في قولته الشهيرة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، فليس من حق أي مخلوق أن يمس بحرية الإنسان أو يرغمه ضد إرادته تحت أي اسم كان ذلك، لأنه كائن حر من هذه الجهة حرية تامة، بيد أنه لما كان اجتماعيا بطبعه بحيث لا يمكنه العيش دون أن ينتمي لمجتمع إنساني معين كان من اللازم عليه أن يتنازل عن شيء من حريته لأجل تنظيم مجتمعه عن طريق الاحتكام للمعايير والمرجاعيات التي تضبط السلوكات الفردية والجماعية، فكان من الضروري أن تنتهي حريته عند حدود حرية الآخر، وإلا لانتُهِكت حدود حريته كما انتَهك هو حريةَ الآخرين.

المقام الثاني: مقام العبودية، فهو يتمثل أساسا في علاقة الإنسان بخالقه؛ بمعنى أن الإنسان عبد مملوك لله وحده، حيث أوجده من العدم، وأغدق عليه بكثير النعم، فهو يسكن في أرضه، ويستنشق من هوائه، ويأكل من رزقه، ويشرب من مائه، وحياته كلها بيده إن شاء أمده في عمره وإن شاء قبضه إليه، فحتى لو أراد أن يتحرر من عبوديته هاته فهو لا يستطيع، إذ لتحقيقه هذا الأمر ينبغي له أن يستغني عن كل هذه الحتميات الإلاهية وغيرها، وذلك أمر مستحيل، نعم إنه بإمكانه أن يغير معبودَه الذي يخضع له وطريقة خضوعه وعبادته له، فمثلا بدل أن يكون عبدا لله وحده ويعبر عن ذلك بالتزام تعاليمه المستقاة من أوامره ونواهيه قلْبا وقالبا شكْلا ومضمونا فهو يصبح عبدا لنفسه أو شهواته المالية والجنسية ويعبر عن ذلك بخضوعه لها خضوعا مطلقا، ومن ثم فمن لم يكن عبدا لله سيكون عبدا لغيره لا محالة، غير أن العبودية لله هي عبودية تشريف وإجلال لا عبودية تنقيص وإذلال، لأنها تحرر الإنسان من سائر الطواغيت التي تحاول التسلط عليه بدءا من شهوات نفسه.

تعاليمنا الدينية محببة للإنسان بطبعها، فلا تحتاج أبدا للإجبار على الاتزام بها، فقط ينبغي فهمها جيدا وفهم حِكمها ومقاصدها وأبعادها السامية فهما سديدا

فالإنسان إذن حسب الفلسفة الإسلامية هو عبد وحر في آن واحد، فعبد بالنسبة لخالقه وحر بالنسبة لما دونه، ونحن إذا تأملنا أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بأفعال المكلفين نجدها تنوعت بتنوع هذين المقامين؛ أي أن منها ما يتعلق بحقوق الله، ومنها ما يتعلق بحقوق العباد، فالقسم الأول لا يتم فيه الإجبار إطلاقا، لأن الله تعالى لا يُثيب المُكرَه على فعل الطاعة كما لا يعقاب المُكرَه على فعل المعصية.

وأما القسم الثاني فيمكن أن يتم فيه الإجبار، لكن بالتأكيد ليس بقصد الالتزام بطاعة الله أو شيء من هذا القبيل وإنما بقصد رفع الإذاية عن الآخرين وإرساء دعائم النظام الاجتماعي فحسب. وإذا كان البعض يرى أن إلغاء هذا الإجبار من مجتمعاتنا الإسلامية مسألة ضرورية وملحة لأنه في اعتباره لا يعدو أن يكون مظهرا من مظاهر العنف التي كثيرا ما تطغى في المجتمعات المتخلفة وتتخذ أشكالا وصورا متنوعة فإن البعض الآخر يرى أن هذه الدعوى ليست سديدة بالمرة، لأنها تفتح أبوابا كثيرة للتسيب والفوضى الاجتماعية، فالفرد إذا لم يخضع باختياره لسلطة الله الذي خلقه فإنه على الأقل سيخضع لسلطة مجتمعه أو سلطة فرد من أقربائه أو سلطة القوانين الزجرية للدولة الحاكمة، ولا شك أن حالته الأخيرة هذه أهون من تفلته من كل القيود الدينية والأخلاقية والاجتماعية واعتناق أهواء النفس المضطربة.

وعموما فإن من أكبر العوامل التي تجعل الإنسان يمارس الإجبار على الآخر في الأمور الدينية ترجع في نظري إلى الخلط الحاصل بين مقام العبودية ومقام الحرية التي ذكرتهما آنفا، فكأن المجبِر يرى نفسه وصيا لله على عباده، كما ترجع أيضا إلى جهلنا بالدوافع الحقيقية والأسباب المباشرة لممارسة المعاصي والذنوب، فليس دائما ما يتعاطى الفرد المعصية حبا فيها وكرها للطاعة الربانية، وإنما قد يرجع ذلك لسوء فهمه للدين الذي ربما يكسبه نفورا بليغا من تعاليمه الدينية، ولا شك أن أساليب الدعوة والتبليغ لها جانب من المسؤولية في هذا الأمر.

كما قد يرجع ذلك لعوامل اقتصادية كالترف الزائد الذي قال الله تعالى فيه: "إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى" أو الفقر المتقع الذي ورد عن علي كرم الله وجهه أنه قال فيه: إذا حل الفقر بأرض قال له الكفر خذني معك" وكما ورد أيضا عن عمر الفاروق أنه قال مخاطبا ولاته في الأمصار: "لا تُجوِّعوهم فتكفِّروهم". وقد يكون ذلك ناتجا عن عوامل اجتماعية كسوء التربية الدينية وسوء التنشئة الاجتماعية التي ينشأ في ظلها الفرد، أو عوامل ثقافية كالتطبيع الثقافي مع المعاصي الذي تمارسه العولمة الآن؛ حيث تلغي من ذهن الفرد استشعاره بالذنب أصلا أثناء ممارسته لبعض المخالفات الشرعية. فالخلاصة التي أود أن أصل إليها باختصار، هي أن تعاليمنا الدينية محببة للإنسان بطبعها، فلا تحتاج أبدا للإجبار على الاتزام بها، فقط ينبغي فهمها جيدا وفهم حِكمها ومقاصدها وأبعادها السامية فهما سديدا.