لبنان يدخل العصر النيوليبرالي متأخرا

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن موت النموذج النيو-ليبرالي الذي تسيد منذ السبعينيات بدفع من اتحاد الليبراليات الغربية الرأسمالية المتقدمة، وفي طليعتها بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. صحيح أن الصعود المتلاحق لقوى اليمين في عدد من الدول الغربية، وذلك في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨، قد نشب عنه تحولات جيو-بوليتيكية وجيو-اقتصادية جسيمة، منها، على سبيل المثال، القوميات الحمائية وإعادة "حروب الثقافة" (أي الاختلافات الحادة على النظم القيمية) إلى الصدارة بعد أن ظن الجميع أن المعركة بين التيارات الليبرالية والمحافظة قد حسمتها ثورات الستينيات التحررية لصالح الأولى.

 

ولكن هذه التحولات هي باعتقادي قاصرة عن إلحاق الهزيمة بالنيو-ليبرالية، إذ إنه من الصعب التسليم بأن ارتكاباتها الفكرية وعلى صعيد الممارسة، بما تنطوي عليه هذه الإرتكابات من جوهرانيتين اثنتين لا غنى لها عنهما، هما الفردانية (أي تقدم الصالح الخاص على العام) والسوقانية (أي تقدم السوق الحرة على ما عداها من آليات إدارة الاقتصاد والمجتمع)، قد زالت آثارها السلبية. بل على العكس من ذلك، أحاجج بأن ما يشهده العالمان الشمالي والجنوبي على حد سواء اليوم هو قيام المنظومة النيو-ليبرالية المهيمنة بتجديد نفسها عبر مراجعات (لا تراجعات) تكتيكية هنا وهناك وهنالك. هي، كالحية، تخلع جلدا قديما لترتدي جلدا جديدا، أكثر اتساقا مع متطلبات التوسعية السوقية الاقتصادية التي تقتضيها المرحلة الراهنة.

 

المقصود بالجلد القديم هو تدخلية النيو-ليبرالية السافرة، بطرق مباشرة، عسكرية وسياسية، لتغيير أنظمة البلدان وفتح اقتصاداتها على أنماط إنتاج واستهلاك حديثة تعيد بناء المجتمع ورسملته ماديا ومعنويا على قواعد فردانية وسوقانية ثابتة. أما الجلد الجديد فهو يرمز، في نظري، إلى الانتقال من المقاربات والمخططات التقليدية، تدخلية الطابع، إلى مقاربات ومخططات مبنية على تصارحية براغماتية تنطلق من قبول الأمر السياسي الواقع، ومن ثم البناء عليه لتحقيق الفتوحات الاقتصادية المنشودة. ليس أدل على هذه التصارحية من تصريح قديم أثار جدلا واسعا لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، قال فيه إن حل القضية الفلسطينية يكمن في تحويلها من قضية سياسية إلى قضية اقتصادية!

  الأصح راهنا في حالة لبنان، الذي لم يكن قط نيو-ليبراليا، هو القول بأنه يخوض معركة مصيرية تأخر قدومها كثيرا، هي معركة استدخاله عنوة في منظومة الدول النيو-ليبرالية، لا للشيء سوى لحسابات ومصالح الولايات المتحدة الأميركية

إذا، لا خوف على النيو-ليبرالية ولا هم، النيو-ليبراليون، يحزنون. للاستدلال أكثر على وجهها التصارحي حديث النشأة، بإمكاننا النظر إلى لبنان الغارق في وحل أزمة وجودية مستعصية منذ اندلاع حراك السابع عشر من تشرين الأول المنصرم. الخطأ الشائع في هذا البلد وعنه هو إطلاق صفة النيو-ليبرالية على نظامه الاقتصادي الفاسد، أو قل ترتيباته الاقتصادية الفاسدة. أقول "ترتيبات" لأن الاقتصاد اللبناني لا يرقى إلى مستوى النظامية، فهو لا يعدو كونه شبكة عنكبوتية من التحالفات الحزبية وغير الحزبية المتورطة عن سابق إصرار وتصميم في أعمال سرقة واحتيال ونهب ممأسس للمال العام، قائم على اعتماد التخادع التكسبي (ponzi scheme) قاعدة تداول بين المستثمرين. أما "خطأ،" فأقولها لأذكر بأن النيوليبرالية، وإن داخلها الشيء الكثير من القسوة واللامساواة والظلم، لا تستجلب الفساد السياسي أو المالي أو الإداري المسشتري بالضرورة. فعلى سبيل المثال، ألمانيا والدول الإسكندنافية بلدان تتمتع باقتصادات حرة، ولكنها ليست فاسدة. تمايزها عن بعضها البعض بما يتعلق بكيفية فهم وترجمة النيو-ليبرالية توجهات وسياسات عامة لا يلغي تقاطعها المبدئي عند قيم الحوكمة الصالحة والحفاظ على المال العام (بمفهومه الواسع) واعتماد أعلى درجات الشفافية في التعاملات والأهلية والكفاءة في التوظيف ومكافحة كافة أشكال الفساد.

 

هذا لا يعني البتة أن النيو-ليبرالية هي أفضل ما يمكن أن يكون، فهي بلا أدنى شك ضالعة، إما عن طريق العنف المباشر – انظر ديكتاتورية بينوشيه في تشيلي السبعينيات – أو عن طريق العنف الرمزي، في إلحاق الظلم والأذى بفئات المجتمع الأكثر فقرا وتهميشا وافتقارا إلى مقومات الاستقرار والديمومة، وبالتالي تعميق الهوة بين الفقراء والأغنياء وصولا إلى إرساء تنازعيات اجتماعية شبه دائمة، طبقية وثقافية وأيديولوجية. ولكن الظلم، بالعدل أو بسواه، شيئ والفساد المافيوي الذي يضرب عرض الحائط بالسياسة والاقتصاد والمجتمع والإنسان في آن معا، كما هو الحال في لبنان، شيئ آخر. بعبارة أبسط، قد لا تعجبك النيو-ليبرالية كفكرة، أو بمعنى أشمل كبراديغم مكتمل العناصر، من أفكار ونظريات ومقاربات ونماذج تطبيقية حول الفرد والمجتمع والواقع، ولكن هذا لا يحيل تلقائيا إلى جواز وسمك إياها بالفساد.

 

لذلك كله، الأصح راهنا في حالة لبنان، الذي لم يكن قط نيو-ليبراليا، هو القول بأنه يخوض معركة مصيرية تأخر قدومها كثيرا، هي معركة استدخاله عنوة في منظومة الدول النيو-ليبرالية، لا للشيء سوى لحسابات ومصالح الولايات المتحدة الأميركية التي تقتضي، في نظري، التمهيد لتسليم منطقة الشرق الأوسط برمتها إلى لاعبين أو شرطيين إقليميين (من ضمنهم إسرائيل) عبر إيجاد حلول اقتصادية سريعة وناجعة لكل قضايا النزاع فيه (من ضمنها الحروب السورية واليمنية والليبية والغاز في شرق البحر المتوسط). ترمب ومن معه لا يمزحون: عينهم على الصين، ولذلك يريدون الخروج من منطقتنا بسرعة، مهما كانت الأثمان. لا يهمهم من سيحكم لبنان مستقبلا، أكان الإسرائيلي أو الإيراني أو التركي أو حتى اللبناني (إن استطاع إلى الحكم سبيلا)، أو كيف، بأي نظام سياسي (ديمقراطي أو ثيوقراطي أو ديكتاتوري). تصارحيتهم النيو-ليبرالية تبدت مؤخرا بكل وضوح عندما أعلنوا التوصل مع ثنائي "حزب الله"-"حركة أمل،" الثنائي المغضوب عليه والمدرج طرفه الأول على لائحة الإرهاب، إلى "اتفاق إطار" حول ترسيم الحدود البحرية والبرية بين لبنان وإسرائيل!

 

بل أكثر من ذلك، يبدو أن الأميركيين، بحسب ما يتردد في أروقة صحافيين بارزين، قد انتهوا من إعداد صفقات مساومة دسمة مع كل من إيران (ربيبة الملف اللبناني) وروسيا (ربيبة الملف السوري). وهذا الأمر بالمناسبة لا يتعارض ومنطق العقوبات المالية الرادعة. (العقوبات عصا؛ الصفقات جزرة.) الماكينة المشغلة لكل هذه العمليات الجراحية المأمول نجاحها هو الاعتقاد الراسخ بأن الاقتصاد الحر، المنفتح، المعولم (على قياس الشرق الأوسط أقله) بإمكانه أن يشكل المخرج النهائي من الأزمات. تدرك القيادة الإسرائيلية جيدا أن معادلة التطبيع مع بعض الدول العربية التي تسير بها هي "السلام مقابل النيو-ليبرالية،" وليس "السلام مقابل السلام." (ألم يقل كوشنير مرارا وتكرارا إنه قرأ خمسة وعشرين كتابا عن الصراع العربي-الإسرائيلي أوصلته إلى القناعة بأن الصراعات السياسية يمكن أن تحل بالمبادرات الاقتصادية الشاملة؟!)

 

إلا أن السؤال الأخير والأهم يبقى: كيف سيقبل اللبنانيون واللبنانيات على النيو-ليبرالية؟ البعض لا يزال في حالة إنكار واستهجان. البعض الآخر بدأ يتجهز نفسيا: بدلا من كيس خيار، خيارة أو خيارتان. بدلا من ماركات ثياب أجنبية، ماركات محلية. بدلات من تركيا أو إيران أو أوروبا مصيفا، الشمال أو البقاع أو الجنوب (كل حسب انتمائه الطائفي!) بدلا من السيارة، دراجة هوائية (أو نارية، إن قدر على شرائها). والأخطر، وهذا ما لا نتمناه، بدلا من لبنان الكبير، لبنان الكانتونات المحكومة ذاتيا. ولكن في المقابل: هل يكونوا أقوياء فيقلبون السحر على الساحر؟ النيو-ليبرالية على النيو-ليبراليين؟ ماذا لو تمكنوا من إرساء نيو-ليبرالية مطعمة بديمقراطية اجتماعية، على طريقة الدول الإسكندنافية؟ ماذا لو، على سبيل المثال، خصخصت بعض مؤسسات الدولة؟ لنكن صريحين: هل المشكلة في الخصخصة أم في الطبقة السياسية التي تنادي بها؟ مرد القول هو أن النيو-ليبرالية قادمة لا محالة. الأولى هو أن نستعد لها بتشديد الخناق على الفاسدين قبل أي شيء آخر.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة