قره باغ.. بلبل أذربيجان

حمل الفنان الأذربيجاني "مرتضى أوغلو محمدوف" الثقافة الأذربيجانية وتنقل بها في أرجاء الاتحاد السوفييتي السابق، وبالموسيقى والغناء الفلكلوري الشعبي حمى ثقافة موطنه من الاضمحلال من تهديد الثقافة الروسية الجامحة في ذلك العهد البائد، ومن هنا جاء لقبه الذي اشتهر به " بلبل أذربيجان".

 

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي انشغلت وزارة الثقافة في أذربيجان بجمع مقتنيات البلبل من بازارات جورجيا والأسواق الشعبية في آسيا الوسطى، فقد ولد في شوشه بقره باغ، وخلال رحلة استمرت أربعة وستين عاما (1897 – 1961) حصل أعلى الأوسمة والجوائز من بين كم ضخم من المقتنيات، لكن مقتنياته التي تمثل تاريخ أذربيجان الثقافي الحديث ضاعت وتناثرت في أتون الحرب بين أرمينيا وأذربيجان على مسقط رأسه.

 

هناك رباط وثيق بين الإبداع الكبير الذي حققه البلبل والحاضنة الثقافية التي نشأ فيها، برأي الأديب الأذربيجاني قالاي الله فيردييف – الذي يعمل سفيرا لبلاده في ماليزيا ويتقن عدة لغات بينها العربية – ويقول إن الأذربيجانيين ينظرون إلى إقليم قره باغ على أنه مصدر إلهام لثقافتهم، ورمزا لوحدتها الثقافية والسياسية والاقتصادية، ومن هنا يصعب تصور أذربيجان في الوجدان الشعبي دون قره باغ.

 

والطبيعة الخلابة التي تتسم به مرتفعات قره باغ قد يكون وراء جمال الأصوات التي يتغنى بها سكانها، حتى أن الأديب الدبلوماسي فيردييف يرى أن أكثر ما يميز سكان قره باغ هو صوتهم الندي، ويذهب به القول إلى أن نصف الأهالي هناك يغني والنصف الآخر يطرب، وهذا هو المعدن الحقيقي الذي يوحد البلاد أكثر من الثروات الطبيعية مثل البترول والغاز.

تتسلح أذربيجان بأربعة قرارات لمجلس الأمن الدولي في مطالبتها أرمينيا الانسحاب إلى الحدود الدولية الطبيعية، واستعادة ما يقرب من 20 % من مساحة أراضيها، وترى أن الاستقرار المطلوب وفق معايير احترام الحقوق التاريخية والسيادة من شأنه أن يحول جمال قره باغ الساحر إلى مركز استقطاب سياحي للمنطقة، علاوة على أنها سلة غذاء أذربيجان.

 

وبينما يخوض المحللون السياسيون كثيرا في محددات الصراع على قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا يعتقد الأذريون راسخين أنهم يحاربون على أرضهم وفي المنطقة الذهبية لبلادهم بغض النظر عن العرق والدين والمذهب واللغة، فامتداد أقلية أرمينية إلى أراض أذربيجانية لا يمنح أرمينيا سيادة عليها، كحال التداخل العرقي بين معظم جمهوريات آسيا الوسطى التي استقلت عام 1990.

 

ولا يفكر الأذريون كثيرا في أصلهم التركماني وإن كانت تركيا بدت أكبر الداعمين لهم في الحرب الحالية لاستعادة أرضهم، كما لا يلزمهم المذهب الشيعي الذي يتبعه غالبية السكان بالولاء لإيران المجاورة، ولا يعتبرون اختلاف الدين حجر أساس في الصراع وإنما الحفاظ على وحدة ثقافتهم وسيادتهم على أرضهم.

 

قد يصعب العثور على صلة، غير الاسم الذي يعني الحديقة السوداء، بين مديرية قره باغ في ولاية غزني الأفغانية وإقليم قره باغ الأذربيجاني، لكن السلطان التركماني محمود الغزنوي (971 – 1030)، مؤسس الدولة الغزنوية التي امتد سلطانها من آسيا الوسطى إلى الهند، أقام دولته على أنقاض الدولة السامانية في إيران اليوم، وازدهرت في عهده قره باغ الأفغانية، ومن هنا يستلهم البعض التاريخ لتفسير سلوك الدول لا سيما إيران وتركيا ومواقفهما الحالية من الصراع الأرميني الأذربيجاني على قره باغ.

ربما لم ينس الأرمينيون والأتراك طعم العلقم الذي أذاقه كل منهما للأخر قبل أكثر من قرن من الزمان، إلا أن مصالح الدول ونظراتها الاستراتيجية اختلفت كثيرا في الألفية الثالثة، ولم يعد الانتقام للإرث التاريخي حاضرا في السياسات المستقبلية، ومن يدري فقد يكون حسم معركة قره باغ مفتاحا لتعاون اقتصادي إقليمي يكون طريق أذربيجان إلى تركيا عبر أرمينيا حجر الزاوية في تجارة الترانزيت لبلاد لا تطل على بحر.

 

أما الأذربيجانيون فقد حان الوقت لبلابلهم أن تصدح من جديد في قره باغ، فعندما كان للطوابع قيمة اعتبارية قبل الايميل رسموا وسم (هاشتاغ) مرتضى أوغلو محمدوف على الطوابع البريدية، وجمعوا مقتنيات بلبلهم في متحف يمثل ثقافة أذربيجان وتراثها وحضارتها، وطبعوا صورته على قطع عملتهم المعدنية وأقيمت له التماثيل في الساحات العامة.

 

وكما يحمل بلبل قره باغ وحدة أذربيجان الثقافية فإن عودتها تمثل الوحدة الاقتصادية والسياسية بالنسبة لأذربيجان ومفتاح التعاون الاقتصادي والاستقرار الإقليمي في آسيا الوسطى.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة