قبل اللقاح الإسرائيلي.. طبعوا علاقتكم مع شعوبكم

في غمرة الولع والوله هذه الأيام المصاحب لحالة الترويج "للقاح الإسرائيلي" الذي اكتشفته الأنظمة العربية فجأة، ورأت فيه علاجا واحدا ووحيدا لجميع مشاكلها الاقتصادية والسياسية والأمنية، ينبغي التذكير بأن مشكلة المنطقة العربية لم تكن يوما مقاطعة إسرائيل، و"الوقوف إلى جانب الفلسطينيين"، ليكون الحل بالاستدارة الآن و"الاستفاقة" عبر المسارعة في التطبيع معها، ونظم قصائد المديح والأغاني لها باللهجات المحلية المختلفة " إماراتية، بحرينية، سودانية…. والحبل ربما على الجرار.

 

أذكركم يا سادة أن مشكلة العربي لم تكن يوما بسبب القضية الفلسطينية، إنما مشكلته تكمن في الفساد والاستبداد الذي تمارسه أنظمته الحاكمة، مشكلته في سجون مكدسة بالمعارضين، مشكلته في مليارات مهربة إلى سويسرا ولندن وباريس ومالطا وكل العواصم التي يمكن أن يُخبئ فيها المال الحرام المسروق.

 

قبل الحديث عن اللقاح الإسرائيلي الذي تحاول تلك النظم اقناع شعوبها أنه الوحيد الذي من شأن أخذه شفاء اقتصاداتها ورفاهها، وإمطار السماء من فومها وعدسها، على تلك الأنظمة أن تجيب على أسئلة المواطن العربي  حول أمواله المنهوبة، قبل محاولة إقناعه بأن الرفاة مربوط بالحبل السري الإسرائيلي، فالتطبيع مع تل أبيب لن يدر الذهب والفضة على العربي المنهك، والفقير، والُمجوَّع والمشرد في أصقاع الأرض، بل ما يدر على العربي الرفاه هو إجابة تلك النظم عن  سؤال كيف هربت 200 مليار دولار لسويسرا؟، وهي الأموال العربية المنهوبة بحسب تقدير الغرفة العربية السويسرية للتجارة والصناعة للعام2019، فاللقاح الذي تحتاجه الدول العربية هو لقاح قاهر لعضال الفساد، وليس لقاح التطبيع.

 

وبحسبة بسيطة ودون عملية حساب معقدة: ماذا لو وزعتم ال200 مليار المسروقة على 400 مليون عربي تجوعونهم وتسرقونهم وتأخذونهم رهائن، وحولتم بلدانهم العربية لمقابر كيف سيكون حالهم؟، لماذا تبشرون بالحلم الإسرائيلي، ولا تتحدثون عن كابوس الفساد والاستبداد والتجويع والتجهيل وهي منظومة تتحمل تلك النظم وحدها المسؤولية عنها.

 

قبل أن يدعو المهرولون  للتطبيع مع إسرائيل  للارتماء في حضن نتنياهو غير الدافئ، عليهم أن يطبعوا علاقاتهم مع شعوبهم، فالسيد حميدتي الذي يدير تجارة الماعز والذهب، عليه أن يقدم كشفا بممتلكاته يبين فيها من أين له هذا، وعليه أن يطبع علاقاته مع الثورة السودانية التي رفعت شعارات لم يكن من ضمنها العلاقة مع إسرائيل، فالمطالبة بالحرية وهي الشعارات التي رفعتها الثورة السودانية والتخلص من الاستبداد لا يمكن أن تتقاطع مع التطبيع، فالحرية وإقامة علاقة مع دولة عنصرية مساران لا يتقاطعان أبدا، كمان أن السؤال المركزي من الذي فوض السيد حميدتي أو البرهان في اتخاذ مثل هذه القرارات وهم الذين لم ينتخبوا، ويقومون اليوم بانقلاب عسكري على مخرجات الثورة.

 

من يقرأ التاريخ، يدرك أن الحل ليس في إسرائيل ولم يكن يوما هناك، فمصر والأردن وجنوب السودان ودول عديدة وقعت مع إسرائيل حصدت المرار اقتصاديا، أتحدى كل المطبعين أن يدلوني على كتاب واحد في الاقتصاد أو إدارة الأعمال أو نظرية واحدة تقول أن الحل للأزمات المالية يتوافر في إسرائيل، لماذا يصر المطبعون على تعلم العبرية ولا يتعلمون على سبيل المثال اللغة الصينية وهي الاقتصاد الصاعد والواعد،  والذي سيتصدر الاقتصاديات العالمية خلال العقد القادم وفق كل المؤشرات الاقتصادية، لماذا لا يتعلمون الألمانية، ويستفيدون من تجربة ميركل في البناء والتنمية، لماذا لا يلتفتون لجارتهم التركية ويستلهمون نموذجها بدلا من محاربتها، وكيف استطاعت الديمقراطية والاستثمار في التنمية والتعليم والصحة  كأولوية في نقل تركيا من دولة عسكرية انقلابية فاشلة إلى الاقتصاد رقم 16 في سلم الاقتصاديات الصاعدة.

 

في السعودية التي تصدر أكثر من10 مليون برميل نفط يوميا موظفون كثر بحسب صديق سعودي لا يتجاوز دخلهم ٣ آلاف ريال قرابة 700  دولار، بينما قبض الرئيس الأمريكي ترمب 600 مليار دولار في ليلة واحدة مع عشاء مجاني، هل الحل في إسرائيل أم في غياب الحكم الرشيد، وتفشي الفساد، وهدر المال، ودفع أتاوات للأمريكي والإسرائيلي مقابل حماية الكراسي؟، المشكلة بتقديري في النظم نفسها وفي إصرارها على الارتهان للخارج والرعب من شعوبها،  فالأزمة في حقيقتها أزمة شرعية، وليست شيئا آخر غير هذا.



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة