الانتخابات الأميركية.. نحو اقتصاد أكثر عدلا وعالم أكثر إنسانية

تشير استطلاعات الرأي أن الحزب الديموقراطي يسير إلى تحقيق فوز مريح في الانتخابات الرئاسية والتشريعية (الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ). وبالرغم من غياب الكاريزما الواضح لجو بايدن واهتزاز صورته بعد فضيحة أوكرانيا التي أظهرته بمظهر لا أخلاقي، فإن تحول السلطتين التنفيذية والتشريعية إلى الديموقراطيين سوف تكبح جماح اليمين المتطرف والعنصرية التي تسبب الرئيس دونالد ترامب -بلا مسئولية غير مسبوقة في التاريخ الأميركي الحديث- في انفلاتها. وقد أدت العنصرية إلى ظهور انقسام واضح في المجتمع الأميركي الذي يقوم على التعددية الكوزموبولتينية التي تميز مجتمعا جله من المهاجرين.

 

خطاب الرئيس ترامب يغذي التطرف ويلهم المهووسين من أنصار تفوق العرق الأبيض  (White Supremacists)  والمنظمات المتطرفة مثل (Ku Klux Klan –Proud Boys) والتي تقوم بأعمال إرهابية تجاه الملونين والأميركيين من أصول أفريقية. وهذا الخطاب العنصري يغذي المجتمع بثقافة عدم قبول الآخر وصناعة الخوف والجهل لدى محدودي الثقافة. هذه المنظمات قامت بالفعل بإحداث شرخ كبير في النسيج المجتمعي الأميركي وتنذر بقيام حرب أهلية.

 

"إنه الاقتصاد أيها الغبي"

(شعار حملة بيل كلينتون في انتخابات 1992)

لا رعاية طبية للفقراء

حاول الرئيس ترامب منذ أول أسبوع له في البيت الأبيض تقويض وإلغاء خطة سلفه بارك أوباما والمعروفة بـ "أوباما كير للرعاية الصحية" والتي توفر مظلة تأمينية للفقراء والبسطاء والمعوزين في الولايات المتحدة والذين يقدر عددهم 52 مليونا -طبقا لـ Kaiser Family Foundation) KFF)- سيكونون بلا مظلة تأمينية في حال نجح ترامب عن طريق المحكمة العليا في إلغاء أوباما كير. دفاع ترامب المستميت عن شركات التأمين وشركات الخدمات الصحية في مواجهة الفئات الأضعف في المجتمع تعكس فلسفة اليمين المحافظ ونظرته الفوقية لمن هم أكثر فقرا وضعفا في المجتمع.

دونالد ترامب (يسارا) يصافح جو بايدن وبالمنتصف باراك أوباما

 

فلنخفض ضرائب الأغنياء والشركات

تقوم فلسفة الجمهوريين -وفي القلب منهم الرئيس دونالد ترامب- على تخفيض الضرائب على الشركات والأرباح الرأسمالية وتشجيع أسواق المال وفي مقدمتها "وول ستريت". كما قام ترامب بتخفيض الضرائب كما وعد أنصاره بأن هذه التخفيضات ستساعد الاقتصاد على النمو وتزيد من إنفاق المستهلكين. لكن في حقيقة الأمر فإنه طبقا لـ ((National Public Radio NPR فإن أكثر من ٦٠٪ من هذه التخفيضات ذهبت إلى جيوب الـ ٢٠٪ أكثر ثراء في المجتمع الأميركي طبقا لما أكده The Nonpartisan Tax Policy) (Center كما تم تخفيض الضرائب على الشركات بنسبة ٤٠٪، إلا أن المحصلة النهائية هي انخفاض حصيلة الضرائب على الشركات بنسبة ٣١٪ مما ساهم في انخفاض الإيرادات السيادية للحكومة الأميركية بشكل كبير وتفاقم عجز الحكومة الفيدرالية لرقم غير طبيعي وبلغ ٩٨٤ بليون دولار لـ ٢٠١٩ (1).

 

وداعا للتعليم الحكومي الجيد ولينعم أبناء الأسر الأكثر ثراء

دشن الرئيس ترامب عهده بتعيين وزيرة للتعليم تعد من أكبر الداعمين للتعليم الخاص. كما قام بخفض المبالغ المتاحة من الحكومة الفيدرالية المخصصة لدعم الجامعات والمدارس الحكومية وفي المقابل سمح لمؤسسات التعليم الخاصة بالحصول على دعم حكومي.

 

فلنتحالف مع الديكتاتوريات والمرتزقة والسفاحين

إن الولايات المتحدة بدأت تفقد دورها كقائد للعالم الحر وعراب الديموقراطية الحديثة. فأصبح انحيازها تحت سيطرة الجمهوريين واليمينيين للشركات عابرة القوميات والتحالف مع الديكتاتوريات وعدم احترام حقوق الإنسان أو الاكتراث بها، وعلى سبيل المثال:

 

قضية مقتل صحفي الواشنطن بوست "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية بإسطنبول بتوجيه مباشر من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان "الحليف والصديق المقرب من زوج ابنة الرئيس ترامب ومستشاره "جاريد كوشنر".

 

الجرائم التي يقوم بها ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد -الصديق المقرب من إيريك برنس مؤسس "بلاك ووتر" شركة المرتزقة والقتلة المحترفين وشقيق وزيرة تعليم الرئيس ترامب السيدة بتيسي برنس ديڤوس المعادية للتعليم المجاني والحكومي والداعمة الكبرى للجمهوريين واليمين المتطرف- في اليمن وليبيا وتمويل الثورات المضادة في مصر وليبيا وتونس.

 

والجرائم اليومية التي يقوم بها الديكتاتور المصري الجنرال السيسي ديكتاتور ترامب المفضل والتي وثقتها منظمتا هيومان رايتس ووتش وأمنيستي إنترناشيونال.

 

التغاضي عن الممارسات القمعية للصين تجاه مسلمي الإيغور.

إن انتخاب جو بايدن برغم عيوبه وحصول الديموقراطيين على أغلبية مريحة في مجلسي النواب والشيوخ ستصلح بعض ما أفسده ترامب وتكبح جماح العنصرية بعض الشيء

 

فليحترق الكوكب والأجيال القادمة فالمهم هو المكسب الآني وداعمونا من كبار رجال الصناعة

الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ وتلويث الكوكب الذي يئن من كم غير طبيعي من النفايات الصناعية كان من أهم إنجازات الرئيس ترامب! كما شجع دولا ملوثة للبيئة مثل الصين والسعودية والإمارات والبرازيل -في عهد اليميني المتطرف بولسورانو- على المضي قدما في عدم احترام البيئة وعدم الحد من انبعاثات الكربون التي تدمر الحياة على هذا الكوكب.

 

نحو عالم أكثر عدلا واقتصاد أكثر إنصافا

إن انتخاب جو بايدن برغم عيوبه وحصول الديموقراطيين على أغلبية مريحة في مجلسي النواب والشيوخ ستصلح بعض ما أفسده ترامب وتكبح جماح العنصرية بعض الشيء. الولايات المتحدة الآن على مفترق طريق فلابد لها أن تتخلى عن لعب دور داعم الدكتاتوريات ولعب دور شرطي العالم الذي يود تأمين مصالحه دون وازع أخلاقي ونهب خيرات الأمم الأخرى.

 

وهذا ما بدأت بوادره تظهر في الحزب الديموقراطي؛ فوجدنا السيناتور بيرني ساندرز السياسي المنحاز للعدل وللطبقة الوسطى وللفقراء. وجدنا نواب مثل رشيدة طليب تدافع عن القضية الفلسطينية العادلة وإلهان عمر السياسية التي تطمح لوضع الولايات المتحدة في المكانة اللائقة بها في السياسة الدولية ونرى AOC أليكساندرا أوكاسيو كورتيز والتي تصلح -من وجهة نظر كاتب هذه السطور- أن تكون أول رئيسة للولايات المتحدة في المستقبل القريب وهي الشابة المكافحة والتي تعتبر من أفضل الوجوه السياسية للحزب الديموقراطي منذ عهد جون كينيدي.

 

فلنأمل أن نرى تغييرا حقيقيا خلال الأيام القليلة القادمة وإن غدا لناظره قريب.

_____________________________________________________

مصادر:

1-    After 2 Years, Trump Tax Cuts Have Failed To Deliver On GOP’s Promises



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة