أَتيناهم لنتعلم العربية فعلمونا العامية!

ألقيتُ عليها تحيّةَ الصّباح بلغةٍ عربيّة فصيحة فردّت على الفور بِلَكْنَتِها التُّرْكِيّةِ المُحبّبة: "أهلين دكتورة… كيفك؟" هذه الفتاة ليست أوَّلَ مَن ألتقيه في تركيا مُتحدِّثاً بالعاميّة بدلاً من العربيّة الفصيحة، ويَتعمَّقُ الشُّعور بالحُزنِ والخيبة كلّما التقيتُ أحدًا من هؤلاء الذين وَرَدُوا مَعِينَ قَومِنا لِيتحدّثوا العربيّة الفصيحة فصَدَروا عنه وهم يتحدّثون العاميّة المَحْكِيّة! ولا يحضرني في وصفِ هذه الحال سوى لسان ينطق عاتباً: أتيناكم لنتعلّم العربيّة فعلّمتمونا العاميّة! إنّها جنايةٌ على العلم والتّعليم، بل على العربيّة التي غدت غريبة بين أهلها وأبنائها؛ فمن الجاني؟

حضرَ العربُ وغابت العربيّة

إنّ تعلُّمُ أيّ لغةٍ جديدةٍ يحتاجُ -عادةً- إلى جهود حَثيثَة وكثيفة ومُنظَّمة، حتى تغدو اللغة المُتعلَّمةُ لغةَ التفكير والتعبير، وإلا فإنَّ أيَّ جهدٍ مبذول لا يُوصلُ إلى هذه النتيجة سيبقى قاصرًا، لذا يُغْبَطُ من يتعلّم اللغةَ من أهلِها ويعيش بينهم ويستطيع مُمارستها معهم! فأنْ تعيش بينهم لا يعني بالضَّرورة أن تُمارِسَ اللغةَ معهم! ولا يعني أنّك ستَجِدُ من يَصبِرُ على تَعثّرِك وتَلَعْثُمِك ويُصوّب لك. وهذا حال الرَّاغبينَ بتعلُّمِ العربيَّةِ في بَلَدٍ عربيٍّ يُجْبَرون فيه على التَّكلُّمِ والمُحاروةِ بالعَربيّة، ولا يَسمعون سواها! لكنْ… أين؟! فاللُّغة العَربيّةُ الفُصْحى لا مَوطِنَ لها سوى صدور عُشَّاقِها وأبنائها البَرَرة إنْ جاز التَّعبير.  لعلَّ أكبرَ مشكلة تواجِه مُتَعَلِّمِي اللغة العربية من غير النّاطقين بها أنّها اللغة التي لا يكاد يجدُها الراغب بتعلّمها في أيّ بلد من بلادها الأصلية فيحظى بمُمارستها.

 

فالعربية الفصيحة لا حضور لها في الحياة اليومية، بل إنَّ اللغة العربيّة المحكية في البلدانِ العربية بِهدفِ التَّواصل جعلت من الفصحى نموذجًا يبدو وَعرَ المَسْلَكِ وبَعيدَ المأْخَذِ والمَنالِ، فكلُّ بلد يَنْفَرِدُ بلَهجةٍ خاصّة، بل في البلد الواحد تنفرد كلُّ مدينة بلهجة خاصة بها أيضًا، ولا أُجانبُ الصَّوابَ إنْ أغْرَقْتُ وقلتُ: بل في كلِّ مَدينةٍ تَسْمَعَ فُروقًا لُغويّة بين أبنائِها، تتراوحُ درجات اختلافِها بين التّناقض الكلّي في المعانيَ والاختلاف في الأداء الصَّوتيِّ.  وهذا ما زَعْزَعَ أولئك الرَّاغبين بتعلُّم العربية بِغَرضِ التِّجارة والسِّياحة وجَعَلَهم يَميلون إلى تعلُّم العامّية بدلًا من الفصحى.

مناهجُ تعليميّة بالعاميّة!

مِن عَجَبِ الدُّنيا أن نرى مِنْ أبناءِ العربيَّةِ الذين لا يَغارون عَلَى أصالتها ولا يحرصون على حُضورها ولا يُدهَشون من بَهائِها؛ مَنِ انْبَرَى إلى تأليف كتبٍ لتعليم العامِّيّة وأساليب التَّواصل المحلّي بها وبثّها بين غير العرب موهمًا إيّاهم أنّها أنفع لهم من تعلّم العربيّة الفصيحة! وهؤلاء ليسوا من أتباع المستشرق الألماني "ولهلم سبيتا" الذي كان الأسبق إلى الدعوة للتأليف بالعاميّة عام 1880م حينَ ألّف كتابه "قواعد اللغة العامية في مصر" ولعلّهم لا يعرفون المهندس البريطاني الجنسية؛ الهندي المولد "ولكوكس السير وليم" الذي نشرَ عام 1883م مقالةً في مجلّة الأزهر يدعو فيها إلى نبذ التّأليف بالعربيّة الفصيحة واستبدال العاميّة المحكيّة بها في المجلّات والصّحف والكتب والمناهج التعليميّة.

 

ولعلّ هؤلاء سمعوا عرضًا بأسماء "مارون غصن" و"أنيس فريحة" و"سلامة موسى" و"سعيد عقل" الذين يعدّون روّاد الدّعوة للكتابة بالعاميّة عوضًا عن العربيّة الفصيحة. إنّ هؤلاء الذين يؤلّفون اليوم مناهج تعليم العربيّة لغير النّاطقين بها باللّغة العاميّة المحكيّة هم مَعاوِلُ هدم النّفوس والفطرة السليمة وتشويه الأذواق؛ وهم أتباع الفسادِ والجشع الذي لا ينتهي؛ وهم المُضِلّون الذين لا يُدركون -ولعلهم يُدركون- أنّ سلامة اللسان انعكاس لسلامة العقل، وسلامة عقل الفرد تعني سلامة المجتمع.

ما الذي يُرغِّبُ مُتعلِّمي اللُّغةِ العربيِة بالسَّفرِ إلى البلدانِ العربيَّة لاكتِسابِها وإتقانِها؟

الوَسَط… أنْ يُحيطوا أنفُسَهم بوَسَطٍ لا يَسمعونَ فيهِ سوى العَرَبيّة، فمحاولة تعلّمها في بُلدانهم تحتاج إلى جهد أكبر. ومن المعلوم أنه إذا اجتمع اثنان ينتميان إلى لغة أصلية واحدة فإنها الحاضر القوي بينهما في التواصل ولن يستبدلا بها غيرها، ولو بِنيّة التعلم فإنّ عَزْمهما سيخور بسرعة عند أول صعوبة يُواجِهانِها في التعبير، وسيستَعينان باللغة الأصلية لِتَجَاوُزِ ذلك، وفي هذا هَدْمٌ لا يشعران به لكن يدفعان ثمنه من وقتهما المُمْتَدّ في تعلّم اللّغة الجديدة. ومن هنا نجد أن الطلاب الذين تجمعهم لغة مشتركة في الصفوف التعليمية لا يُقدِمون على ممارسة اللغة التي يتعلمونها، ولا يعتنون بالتَّدرُّب عليها مع أصدقائهم، لأن لديهم لغة مشتركة – وقد تكون اللغة الأم – سيستندون إليها تعبيرًا وترجمة، مما سيُضعِفُ آلية التعلم كثيرًا وسيبطئها أيضًا.

 

أمّا لو كانوا في مجموعة مختلفة من حيث تعدّد الجنسيات واللغات فسيجدون أنفسهم مضطرين لاستعمال اللغة التي يتعلّمونها للتواصل مع المحيط والطلاب الآخرِين. لذا فإنّ انخراط الرّاغبين بتعلّم العربيّة الفصيحة في الوسط المجتمعيّ العربيّ يعدُّ من المرتكزات الرّئيسة لتعلّم العربيّة، غيرَ أنّ هذا المفهوم "مفهوم الوسط" يحتاجُ اليوم إلى ترشيدٍ كبير يتحمّل مسؤوليّة تشكيله أبناء العربيّة أنفسهم، ليكون دالًا على الشريحة المجتمعيّة الناطقة بالعربيّة الفصيحة المُحبّة لتعلُّمها وتعليمها، والحاملة رسالة نشرها وتعميمها. لعلّنا عندها حين نُلقي التّحايا على متعلمي العربية من الناطقين بغيرها نسمع رُدُودَهم بلسانٍ عربيٍّ فصيح، ولا نستشعر بالعربية مُعاتبةً ومردّدة ما قالَه حافظ إبراهيم على لسانها:

وسعتُ كتابَ اللهِ لفظًا وغايةً 

وما ضقتُ عن آيٍ بهِ وعِظاتِ

أَيَهجُرُني قَومي عَفا اللَهُ عَنهُمُ

إِلى لُغَةٍ لَم تَتَّصِلِ بِرُواةِ!



المزيد من المدونات
الأكثر قراءة