هيهات أن يُبنى الوطن!

BLOGS حرية التعبير

"يجب أن يعلم العالم كله أنني لن أترك هذا المكان أبدا"، هذا ما كتبته السيدة كونسبسيون Concepcion Picciotto على لافتتها منذ أكثر من ثلاثين عاماً عندما أقامت خيمتها الصغيرة لتحتج على سياسة البيت الأبيض في واشنطن، لم يدرك العالم فحوى هذه العبارة حتى يوم الإثنين 25/1/2016 إذ ماتت السيدة Concepcion Picciotto عن عمر يناهز الثمانين عاماً، وهي لا تزال تقيم في خيمتها نفسها رافعة اللافتات الاحتجاجية جالسة في مكانها ذاته، معبرة عن رفضها للسياسة الأمريكية التي انتهجها رؤساء البيت الأبيض من رونالد ريغين وانتهاء بأوباما مروراً ببوش الأب والابن وكلينتون، لتكون بذلك صاحبة أطول احتجاج سلمي في التاريخ.

 

Concepcion Picciotto سيدة أمريكية من أصول إسبانية كانت تعمل مترجمة فورية في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، ثم في الغرفة التجارية في السفارة الإسبانية، وفي ثمانينيات القرن الماضي غيرت أسلوب حياتها بشكل جذري، وقررت أن تمثل أيقونة عالمية للتعبير عن الاحتجاج السلمي، إذ كان يقصدها السياح من كل أنحاء العالم ليروها ويتحدثوا معها، ويتعلموا منها كيف يمكن للإنسان أن يتفوق على الزمان والمكان وظروف الحياة بكل ما فيها ويبقى ثابتاً على مبدئه، إذ لم يُعرف أن غادرت السيدة كونسبسيون خيمتها مقابل البيت الأبيض منذ عام 1981، وهي ترفع شعارات تناهض فيها الحروب، والتجارب النووية، والتسلح، والعنف ضد الأطفال، وتدعو إلى السلم والأمان، كما عرفت بمناصرتها لقضية الفلسطنية واعتراضها على الدعم الأمريكي للسياسة الإسرائيلية، فكانت تعلق صورة الناشطة الأمريكية "راشيل كوري" التي سحقتها جرافة إسرائيلية جنوب قطاع غزة عام 2003 عندما حاولت منع هدم منازل الفلسطينيين، وتضع أمام خيمتها أيضاً حجرأً لونته بألوان العلم الفلسطيني تقول عنه: إنه حجر من فلسطين.

 

مع انطلاقة ثورة الشعب السوري مطالباً بحريته وعلى مدى ثماني سنوات، لم تزل حرية التعبير وليدة تحبو على ألسنتنا وأقلامنا ولكننا للأسف ما زلنا نرى ممارسات لوأدها وقتلها تقوم بها مؤسسات وجهات محسوبة على المعارضة

ثلاثون عاماً بقيت خلالها هذه السيدة تقول لسياسة دولتها: (لا) دون أن يمسها أذى أو يصادر رأيها أحد، دون أن تمتد إليها أسلحة الشرطة أو الجيش أو رجال الأمن أو حتى ألسنتهم لتأمرها بالانصراف من هذا المكان الحسّاس الذي يمس رئيس الدولة شخصياً، والذي تشكل دولته القوة العظمى في العالم.. حرية التعبير التي حاربها نظام الاستبداد في سوريا، وحارب كل منصة إعلامية يمكن لأصحاب الرأي أن ينشروا من خلالها أفكارهم، لتصبح سوريا دولة الإعلام الواحد المتبني لشعارات الحزب الواحد الذي يرأسه القائد الواحد الخالد المنتخب إلى الأبد. صورة سوداء عاشها السوريون وقد عاينتها بنفسي منذ أكثر من أربع عشرة سنة عندما تم استدعائي لفرع الأمن للتحقيق معي على خلفية عملي مراسلة صحفية لمجلة إلكترونية عربية، ولأرى أمام المساعد الذي حقق معي تقريراً مكتوباً عني بخط اليد فيه صور لكل المقالات والتحقيقات الصحفية التي نُشرت في المجلة باسمي، والتي كانت كلها ذات موضوعات اجتماعية تتكلم عن القيم والأخلاق والعمل والتعاون وما شابه، وليتم وقتها أخذ تعهد مني بعدم العمل مع أية جهة خارجية لا مكتب لها في سوريا ولا تعاون بينها وبين أيٍّ من مؤسسات الدولة أو هيئاتها..

 

ما يقارب خمسين سنة لم يكن لسوري أن يطلق قلمه أو صوته إلا بما يريده النظام الحاكم وبإذنه وموافقته، مع أن سوريا كانت تاريخياً من أوائل الدول في العالم العربي التي نشط فيها الإعلام الحر، فبحسب التقرير السنوي للمركز السوري للإعلام والتعبير عام 2007، فقد صدرت أول مجلة مطبوعة في سوريا عام 1851، وكان اسمها (مجمع الفوائد)، كما تم إقرار قانون المطبوعات فيها عام 1865، وفي أوائل القرن العشرين شهدت سوريا ثورة حقيقية في الصحافة الحرة، حتى بلغ عدد المطبوعات بحسب المصدر نفسه عام 1920 31 مجلة و24 جريدة دوريّة، واستمر هذا النشاط الإعلامي الحر حتى بلغ ذروته بعد الاستقلال، وبلغ عدد عدد المطبوعات 52 في خمسينيات القرن الماضي، وهكذا استمر الوضع حتى فرض قانون الطوارئ  تزامناً مع الحكم الأسدي للبلد عام 1963.

 

ومع انطلاقة ثورة الشعب السوري مطالباً بحريته وعلى مدى ثماني سنوات، لم تزل حرية التعبير وليدة تحبو على ألسنتنا وأقلامنا ولكننا للأسف ما زلنا نرى ممارسات لوأدها وقتلها تقوم بها مؤسسات وجهات محسوبة على المعارضة، ناهيك عن دور التشبيح الذي يقوم به بعض الناشطين والمعارضين لمصادرة الرأي وقمعه في إثبات صريح وواضح أننا نحتاج لمعرفة معنى الحرية التي خرجنا نطالب بها، بالإضافة لمعرفة ضوابطها وطرق التعبير عنها، فالدولة الأمل التي نطمح لها لا نريدها ساحة حرب مفتوحة للقصف بالرأي الذي يتجاوز الفكرة لينال من صاحبها، ويتجاوز الموضوع ليدخل في النوايا، ويشكك ويطعن دون إثباتٍ أو دليل تحت مظلة حرية الرأي.

وفي الوقت نفسه لا نريدها ساحة مغلقة بالرأي الواحد الذي لا ثاني له، فليس من حق نملكه لإسكات أفواه لا تتفق معنا، أو رفضها أو تخوينها، ما علينا أمامها إلا أن نبني مكان هدمها، ونعلي مكان خفضها، فإن ثبطت شجعنا، وإن دمرت بنينا، إن قدمت حجة ناقشنا وحاورنا ووضحنا وبيَّنا، دون أن نسكتها أو نلجمها.. دون أن نعتدي عليها أو ننال منها، فالحجة وحدها التي تقرع الحجة، وليس من حق نملكه لاحتقار المتكلمين أو تسفيه آرائهم أو التعالي عليهم.. لأننا عندها لن نتوقع إلا أن نقابل بالمثل ولن يكون مآل التخوين والاحتقار والتعالي إلا الإقصاء والحظر.. ووقتها هيهات أن يُبنى الوطن.