التجربة العُمانية في التسامح المذهبي.. مواقف وتؤملات

يحتل الخلاف المذهبي في منطقتنا موقعاً بارزاً على قائمة المشاكل والقضايا الخلافية والأزمات الاجتماعية الأكثر إزعاجاً، وبالرغم من أننا كأمة وبكل أسف لانستفيد كثيراً من دروس التاريخ، إلا أن الحاضر كذلك ينبئنا أن تغذية الخلاف المذهبي والكراهية الدينية والمذهبية لها تأثير سلبي على المدى البعيد حتى ولو حقق "مكاسب" آنية مؤقته. تخبرنا دورس التاريخ أن الطغاة الذين حكموا شعوبهم عبر تأجيج الطائفية والمذهبية والكراهية الدينية، واللعب على المتناقضات وتضخيم الخلافات كانوا كمن يلعب بالنار، حتى ولو حققت تلك التجارب نجاحاً آنياً بالسيطرة والاخضاع والتفرقة، إلا أنها كانت مشوبة بالقلق ومهددة بالانفجار في كل حين، كما أنها أثبتت فشلها في النهاية وعفى عليها الزمن.

في مقابل ذلك فقد أثبتت دروس التاريخ كذلك بجانب دروس الحاضر، أن أقوى الأمم وأفضل الشعوب وأكثرها استقرارا ونمواً هم أولئك الخاضعون لسلطة تنبذ الطائفية والمذهبية وتحقق المساواة قدر المستطاع، ولا تغذي الكراهية الدينية. تلعب السلطة دوراً محورياً في هذه القضية، بتضييق أو تعميق نقاط الخلاف بين شعوبها بمختلف شرائحها، ولازالت بعض الدول بكل أسف تغذي الطائفية والمذهبية عن طريق مؤسساتها سواء الرسمية أو غير الرسمية عبر بعض الرموز المحسوبين عليها، وهم بذلك لايعتبرون ولا يتعظون من الدروس.

رهان التجربة العمانية قائم على أساس أن التسامح هو صمام الأمان للشعب والسلطة، كما يلمس الزائر لسلطنة عمان دور الإيجابية والخُلق السمح وتأثيره على البيئة العامة، وهو أمر جدير بالانتباه، وذلك ما تنبهت له بعض الدول فعلاً في حين لم يعره البعض الآخر أي أهمية

أعتقد أن أكبر خطأ تقوم به السلطة هو التلاعب بالوعي الجمعي للأفراد تحقيقاً لمصلحة وقتية أو خلق تفرقة ومشاحنات بين مواطنيها لفرض سيطرتها عليهم، فهذا المسلك ذو اتجاه واحد لايمكن العودة منه وتغييره "بكبسه زر"، فالتلاعب بالوعي وخصوصاً في المسائل المتعلقة بالدين والمذهب والطائفة وكذلك القبيلة يخلق وحوشا "فرانكنشتاينية" إذا صح التعبير يصعب التخلص منها أو التعامل معها وقد ندفع الثمن باهضاً لقاء السعي وراء مكاسب وهمية مؤقتة.

وكما نرى في بعض الدول، حيث يتعلم الطالب منذ صغره بأن المختلف عنه في الدين هو نَجَس ورجس، والمختلف عنه في المذهب ضال مضلّ، دون أن نعطيه فرصه للإلمام بنقاط الخلاف ومعرفة الفروقات المذهبية، وهذا يتم بتعمد فالتوسع في المعرفة أمر لا يعني "العامة"، وهو للعلماء الراسخين في العلم أصحاب البصيرة! في حين أن الحديث عن الكراهية والطائفية من اختصاص المواطن "العامي"، وبعد كل ذلك نريد لهذا المواطن "العامي" وبحسب مقتضيات "المصلحة الوطنية" أن يعتبر رجس الأمس سائحاً وديعاً اليوم، وأن يتفتق ذهنه بالانفتاح على الآخر وتقبل الخلاف وتغيير معتقداته، مغفلين أو غافلين عن أهمية التنشئة والتربية، متناسين خطورة ماتقوم به السلطة من توجيه للرأي العام والوعي الجمعي اعتقاداً منها أن هذا السلوك هو ضمان لاستقرار المجتمع، فكيف نستغرب بعد ذلك ما نراه من حوادث الطعن والقتل والانضمام للمنظمات المشبوهه! فالامر ليس بالسطحية التي يظنها البعض.

النموذج العماني في التسامح المذهبي مثير للاهتمام والإعجاب والتقدير، فالسلطة في عمان أدركت أهمية التنشئة في تكوين شخصية الفرد، ودور التعليم والقانون في توجيه سلوك الأفراد نحو الأفضل، فالشخصية العمانية مجبولة على التسامح وتقبل الآخر، وعندما تناقش شخصاً عمانياً حول المذاهب والطوائف وحتى الديانات، تلمس عمق التأثير المنطبع في شخصيته دون نفاق من تقبل للآخر وعدم كرهه، بجانب صفاء النفس والطيبة الحقيقية غير المصطنعه. وبالرغم من أهمية دور الأسرة في التنشئة إلا أن ذلك باعتقادي هو ثمرة للجهود التي تبذلها الدولة بما يتماشى مع دور الأسرة الحيوي والمهم في تكوين الشخصية العمانية.

إن رهان التجربة العمانية قائم على أساس أن التسامح هو صمام الأمان للشعب والسلطة، كما يلمس الزائر لسلطنة عمان دور الإيجابية والخُلق السمح وتأثيره على البيئة العامة، وهو أمر جدير بالانتباه، وذلك ما تنبهت له بعض الدول فعلاً في حين لم يعره البعض الآخر أي أهمية. فعندما تنشر الدولة الإيجابية والتسامح بين أفرادها عبر مختلف الوسائل وكافة الطرق، "دون ان تناقض نفسها" نلمس ذلك بشكل واضح في مجريات الحياة، فالخلاف السياسي يبقى في إطار الاحترام، والسياسة المتزنة تولد وعياً سياسياً راشداً لدى المواطنين، فضلاً عن ما أسلفنا ذكره من كرم الأخلاق وصفاء النفس والتسامح وكلها نتائج تجنيها الدولة نظير سياستها.

يوجد في عمان ثلاثة مذاهب بشكل عام وهي: الإباضية والسنة والشيعة، أما عن الأديان فلا أعلم إن كان هناك من يعتنق غير الإسلام ديناً باستثناء المقيمين والسياح، ويعود التسامح البارز بين المذاهب والديانات للنهج الذي تتبعه الدولة، فالتفرقة مرفوضة، وفي حين أن المذهب الغالب هو المذهب الإباضي، إلا أن القانون يمنع اللمز أو الازدراء من قبل أتباع أي مذهب للآخر، كما تمنع المؤسسات التعليمية بشكل صارم أي إقحام للمذهب، سواء في مناهج التعليم أو في إبراز توجه المدرّس لمذهبه وتغليبه على المذاهب الأخرى إلى النقاشات الطلابية التي تتحول لمعارك ضارية، فكلها مرفوضه، وسيكون السجن مصير من يتعدى على مذهب آخر أو على أحد أتباعه حتى ولو لفظياً. وفي المساجد تتجسد لوحة جميلة كم أعجبتني عندما ترى صفوف المصلين متراصين خاشعين وتستطيع تمييز أنهم يتبعون مذاهب مختلفه، فبعضهم مسبل يديه في الصلاة، والآخر مسدل، جميعهم خلف إمام واحد، كم أن هذه اللوحة تزعج أعداءنا وقد يبذلون الغالي والنفيس لتلطيخها وإفسادها لما تحمله بين طياتها من مكامن القوة والمنعة.

فلنتخيل أن هذه اللوحة موجودة في كافة دول المنطقة، ألا تعتقدون معي أن هذا الأمر سيسبب إزعاجاً بالغاً لكل من يتربص بنا، كما أنه سيكون سببا من أسباب قوتنا ونهضتنا، إذا لماذا لا يتحقق ذلك على أرض الواقع؟ ويتم استنساخ تلك التجربة الناجحة، أيهما أولى توحدنا في صف واحد والذي قد يزعج بعض الطغاة أو يزعزع مكانتهم؟ أم خلافنا والذي قد يتسبب في زوالنا جميعاً "بطغاتنا".

ومع ذلك وبكل أسف تبذل بعض الأطراف جهوداً لإفساد تلك التجربة، بالطعن في المذاهب وتشويهها والكذب عليها أحيانا، وأنا أدرك خطورة الحديث والكتابة في المذاهب والملل، ولكنني أرى أن غالبية الخلافات المذهبية في أساسها تتعلق بأمور لا تكون في كثير من الأحيان أساسية تمس ثوابت العقيدة، بل إنها قد تكون اختلافات واجتهادات بحسب الفهم ووجهات نظر، وهو مايخفيه رموز الفتنة، وقد يجهل كثير من العامه أسس الخلافات المذهبية أصلاً، كالقضايا الخلافية بين المذهبين الإباضي والسني كاختلاف وجهات النظر في أسماء وصفات الله تبارك وتعالى على سبيل المثال، وهل صفاته هي عين ذاته أم أنها زائدة على الذات، أو غيرها من المسائل، وبالرغم من أهمية تلك المسائل وحساسيتها، إلا أن كثير من الناس لا يتجشمون عناء البحث فيها واستعراض الآراء المختلفه حولها، في حين أنهم يعتمدون على خلاصة أوجه الخلاف من طرف دون الآخر وهو مايوقعنا في إشكالية التحيزات، وقد نلتهم طعم الفتنة من سنارة المذهبية دون علمنا. فتلك الفئة معطّلة وتلك مجسمة.

لقد واجهت سلطنة عمان الحملات المضادة بنجاح، وأسكتت الأصوات التي تؤجج الطائفية والمذهبية، ومنعتها من اعتلاء المنابر وإلقاء الخطب، بل من دخول أراضيها أحياناً، وسلّحت مواطنيها بدرع واق يصعب اختراقه برصاص الكلمات الرنانة والمعلومات السطحية المشوهة غير المحايدة، فهل يمكن استنساخ تلك التجربة العملية والناجحة؟، وماذا سنجني نحن شعوب المنطقة من الخلافات حول بعض القضايا البعيدة عن جوهر العقيدة والتي لا تلامس واقع حياتنا اليوم، فيما نعيش في واقع يموج بنا ويهدد كياننا تهديداً وجودياً. فهل من المنطق تعميق الخلاف بيننا في مسائل خلافية وطرحها في كل المناسبات وعلى دكات المقاهي الشعبية، بدل أن تكون مطروحة في معامل البحث الأكاديمي والنقاش الراقي المتزن، وأنا هنا لا أقف موقف الرافض لحرية تبادل الآراء وحرية النقاش أبداً، ولكني أرى أن المعلومات الخاطئة والقضايا الخلافية ومساعي الفتنة عندما تغذى بها عقول أقصى اهتماماتها أفرقة كرة القدم وعقود المدربين، نكون كمن أعطى سلاحا فتاكاً لأحمق لا يحسن اسخدامه ولا يدرك خطورته.

ينبغي على الدول التي لا زالت تغذي الطائفية وتعزز المذهبية والتفرقة اعتقاداً منها أن ذلك يحقق مكاسب سياسية ويرسي قواعد الحكم الرشيد التنبه لهذه القضية وخطورتها، والاقتداء بالتجارب الناجحة، ومنها التجربة العمانية والتي أثبتت للجميع أن قوة الدول تكمن في الشعوب ومدى وعيها. كما أن التجربة القطرية ليست عنها ببعيد، وقد أثبتت نجاحها فعلاً. إن الوعي الشعبي والتسامح المذهبي وإن تسبب في إزعاج  للسلطة على المدى القصير، إلا أنه الخلاص الوحيد والضمان الأكيد على المدى البعيد للاستقرار والنهوض، فالشعوب المغيبة لا تبني الأوطان بل تهدمها وتسرع في زوالها، ووحش فرانكنشتاين الذي يترعرع بيننا يهددنا جميعا، وقد يدفع الجميع دون استثناء الثمن غالياً.



حول هذه القصة

واجهات حجرية متماثلة، وانضباط في تخطيط المباني وتنسيقها. ذلك ما يلفت القادم إلى مدينة عمان للمرة الأولى. المشهد المعماري للمنازل والبنايات المتجاورة على التلال السبعة الأولى المكونة للمدينة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة