لماذا لا يزال المسؤول الجزائري رهين اللغة الفرنسية؟

blogs الجزائر

قد يكون للسياسي مشروع أو خارطة طريق، أو مخطط اقتصادي لتجاوز الأزمات والمطبات الطارئة وقد يكون له فكر ورؤية أو نظرة نقدية لكل ما حصل وما يحصل وما يمكن حصوله، قد يكون عارفا  أو عالما بدواليب الحكم وخباياه.كما يمكن أيضا أن يكون فاقدا لكل ما ذُكِر، فالسياسة كثيرا ما توصف  بأنها لعبة لكثرة تقلباتها، وليست الألعاب حكرا على نمط معين من الناس، فالمعروف أن الألعاب مفتوحة لكل الناس ولأيٍ الحق في أن يجرب. كما أن أساليب الفوز فيها تتعدد وتختلف وقد لا تتكرر بالضرورة. 

لكن ما يجمع عليه الدارسون  ويعتقدون أنه ضرورة لكل سياسي هو اللسان (اللغة). فاللسان ترجمان الفكر، مهما كان هذا الفكر راقيا أو متواضعا أو ساذجا. فالسياسي الذكي من يحسن استعمال لسانه حتى في غياب الخلفية المعرفية التي تسمح له بإقناع من أمامه بما يقول، فمن سخرية الحياة أن التاريخ لم يحفظ لكثير من الرؤساء والسياسيين سوى خطبهم الرنانة، في حين أن إنجازاتهم قد لا يستغرق عدها ثلاثون ثانية، فالخطاب هو المهدئ العصبي الذي يمتص كثيرا من عصبية الجماهير وهمجيتها، خصوصا إذا اختار صاحبه المكان والوقت الصحيح  والمصطلحات والألفاظ المناسبة، تماما مثلما  يجد الممثل المسرحي نفسه وسط ديكور المسرحية والجمهور أمامه. وهو مطالب بأن يبكيه أو يضحكه، أو أن يبكيه ويضحكه معا، فالخطاب السياسي كذلك  يمكن أن يضحك ويبكي في نفس الوقت.

يبدو أن هذا لا يستهوي السياسي المعاصر الذي لا زال حبيس برجه العاجي لحد الساعة، وفي اعتقاده أن الوزارة كأي مؤسسة اقتصادية لا تتطلب إدارتها التعامل مع الناس مباشرة، بل عن طريق بيانات تنشر في وسائل الإعلام

تداولت وسائل الإعلام مؤخرا بعض المؤتمرات الصحفية التي عقدها بعض الوزراء الجدد في الجزائر، وطرحت كثير من التساؤلات حولهم وحول ماضيهم السياسي وحول كفاءتهم، وقدرتهم على المضي قدما بالجزائر التي  لم تبرح مكانها منذ زمن بعيد. وذلك مهم وضروري ولكن من المضحكات المبكيات أيضا أن أبرز سؤال تكرر كثيرا هو سبب إصرار المسؤول الجزائري دائما على مخاطبة الناس والصحافة المحلية باللغة الفرنسية رغم أن اللغات الرسمية في الجزائر معروفة للجميع؟  

ليس استنقاصا منه أو من الفرنسية، وليس لإعادة بعث اشكالية اللغة الفرنسية التي اختلقت سابقا لتؤدي دور حقنة المورفين، فالمشكلة ليست في الفرنسية في حد ذاتها كلغة، لأن المشكلة بالأساس في الهوة التي تتسع يوما بعد يوم بين الجماهير وبين المسؤول، بين الشعب وبين الحاكم. فالتاريخ لا يذكر لنا ولا نجد في حاضرنا أن حاكما إنجليزيا خاطب شعبه باللغة الصينية أو حاكمًا روسيا يعقد مؤتمراته باللغة الألمانية، وإلا فكان حريا به أن يوجه كلامه للشعب الألماني لا للشعب الروسي. ثم إن المسؤول يفترض أن يكون أعلم الناس بالشرائح التي تكون مجتمعه، وأن يختار طريقة حديث تتلاءم وجميع الفئات المتعلم والأمي، سكان المدن وسكان الأرياف، الإنسان المثقف والإنسان العادي، فالقوانين والنواميس تقتضي أنه مسؤول عن الجميع لا عن فرقة دون أخرى.

يندرج هذا أيضا في ضعف الحيلة والدهاء السياسي فغوستاف لوبون أشهر علماء علم النفس الاجتماعي في كتابه الشهير سيكولوجيا الجماهير يصر على أن  العاطفة  محرك الجمهور الذي يربط الحاكم   بالشعب الذي يقصده. لأن الجماهير في نظره لا يقنعها الكلام المنطقي العقلي والعلمي، بقدر يقنعها تناول المواضيع التي تثير أحاسيسها كالهوية والقومية والوطنية، والتضحية ودخول التاريخ، وفي هذا يورد لنا أن (الجمهور هو دائما أدنى مرتبة من الإنسان المنفرد في ما يخص الناحية العقلية والفكرية. ولكن من وجهة نظر العواطف والأعمال التي تثيرها هذه العواطف فإنه يمكن لهذا الجمهور أن يسير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ. وكل شيء يعتمد على الطريقة التي يتم تحريضه أو تحريكه بها).

ولولا هذا لما استطاع نابليون في نظره أن يغزو أكثر العالم وغوستاف في كتابه يستشهد بمقولة نابليون الشهيرة (لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعد أن تظاهرت بأني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرت بأني مسلم تقي، وعندما تظاهرت بأني بابوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا، ولو أتيح لي أن أحكم شعبا من اليهود لأعدت من جديد معبد سليمان). ليس نابليون فقط فالتاريخ مليء عن آخره بالبلغاء والخطباء، هتلر والجنس الآري، عبد الناصر والقومية، بومدين والوحدة الوطنية…، وكلهم يشتركون في جزئية فاصلة وفعالة إتقانهم للغة ومعرفتهم بالسنن القادرة على التأثير في الناس من الإنسان البسيط العادي إلى الإنسان المتعلم.

ويبدو أن هذا لا يستهوي السياسي المعاصر الذي لا زال حبيس برجه العاجي لحد الساعة، وفي اعتقاده أن الوزارة كأي مؤسسة اقتصادية لا تتطلب إدارتها التعامل مع الناس مباشرة، بل عن طريق بيانات تنشر في وسائل الإعلام والمواقع الالكترونية للوزارات تماما كجنرال خريف البطريرك. فهل سيظل وزراء عبد المجيد تبون داخل وزاراتهم، يتعففون مقابلة الجماهير، أم أنهم واعون بالتطورات الأخيرة التي تستوجب على الأقل استراتيجيات تختلف عما سبقها لاقناع الشعب أن شيئا ما تغير في الجزائر، حتى ولو كانت الأرقام هي من ستقرر في الأخير النجاح من الفشل، كما هو الحال مع فترة بوتفليقة التي كان فيها الوزراء لا يقابلون الناس إلا وهم يدشنون أحد المشاريع التي استغرق بناؤها عقودا، وتوالت الأجيال دون أن ترى نور هذه المشاريع على أرض الواقع. والسؤال الأهم هل سيتحرر المسؤول الجزائري من قيود اللغة الأجنبية داخل وطنه ويخاطب الناس بلغتهم التي يفهمونها حتى وإن لم تكن فصحى وراقية؟