ثماني خطوات لكتابة روايتك الأولى

داخلك كثير من الأسرار، كثير من الانفعالات، كثير من الأفكار والتطلّعات والطموحات، كثير من الأشياء التي لا يسعك قولها، والمشكلات التي لا تستطيع حلها أو طرحها أو حتى الحديث عنها، ومن هنا يلتجئ الأديب إلى أفياء الرواية وواحتها ظلالها، وهنا تُنسج أولى خطوات العمل الروائي، فيختلق في مخيلته الشخصيات ثم يضفي عليها الأحداث في زمان ومكان يختارهما هو، ثم يعبث بسرد الأحداث حتى يصلك أيها القارئ فحوى الرواية ومضمونها وفكرتها دون أن تشعر بشيء من ذلك، ودون أن تشعر أن الكاتب إنما كان يتحدث عن نفسه على لسان شخصياته، وعن فكرته بلسان أحداثه، وعن واقعه في حديثه عن الزمان والمكان. فكيف تكتب روايتك الأولى؟

أولًا: الفكرة أولًا وأخيرًا

خير الكتّاب -وفق رأي الجاحظ- هو الذي ينطلق من المعنى ثم يختار له اللفظ، وشرّ الكتّاب من يزخرف الألفاظ ويبحث لها عن المعاني. وإن كثيرًا من الكتّاب الهواة يدخلون عالم الرواية مفعمين بالحماس للتعبير عن كل ما يورده عليهم خاطرهم، فيكتبون ويكتبون ويخلطون الحابل بالنابل، ويضيع القارئ في زحمة الأفكار فلا يكاد يدري ما يريده الكاتب ولا إلى ماذا يرمي! وإنك لو تصفحت الروايات الكبيرة للروائيين المحترفين لوجدت كل واحدة منها تدور حول فكرة واحدة لا تخلو من استطرادات ماتعة تدور في فلك الفكرة الرئيسة. فالفكرة هي الأم الروحي للشخصيات والأحداث، وعلى قدر تشبّع الكاتب بالفكرة، ومعايشتها لها تكون الرواية أجمل وقعًا وأحكم سبكًا وأجود سيرة.

ثانيًا: لا تبتعد عن ذاتك
لا يستطيع أحدٌ أن يعلّمك كيف تصبح كاتبًا أو روائيًّا أو شاعرًا، لأنها ببساطة موهبة كموهبة الصوت الجميل- على حد تعبير سليمان العيسى- ولكن النقّاد يرشدونك كيف تصقل موهبتك

مما يؤسفك بحق هو مواضيع التعبير في الصفوف الدراسية الأولى في كثير من المناهج المدرسية، حيث يضع المنهاج الأفكار ويُطلب من الطالب أن يصف ويشرح ويعبّر. كيف للطالب أن يتحدث عن زيارة مكان أثري وهو لم يزر هكذا مكان في حياته؟! وكيف للطالب أن يتحدّث عن فضل معلّمه وهو لم يجد منه إلا القسوة وسوء المعاملة؟! وإن كلّ الفنون -ومنها الأدب- تقوم على فكرة عميقة "ما خرج من القلب وقر في القلب، وما خرج من اللسان لن يتجاوز الآذان"، فلا ينبغي للكاتب أن يتحدث عن أمر لم يعايشه، وعن معاناة لم يعاينها، وعن واقع لم يعرفه، وإلا فإنه يخون الميثاق الروحي للفنّ!

ثالثًا: اعتمد على ثقافتك

لا يمكن أن تتصور أديبًا أو روائيًّا لم يتشبّع بقراءة الكتب ومتابعة الأخبار والمقالات والصحف. الكاتب يستدعي كلّ ما في الوجود لخدمة فكرته وللتعبير عن مكنوناته، ولعلّ أشهر من نذكره هنا هو الأديب الإيطالي دانتي الذي استطاع أن يوظّف علم الفلك في وصف علاقته بمحبوبته، وتوفيق الحكيم الذي وظف ثقافته بالفن العالميّ والروايات العالمية، والأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي الذي وظّف ثقافته الواسعة في أشعار العرب وأخبارهم في كتاباته، والأمر اليوم يتسع كثيرًا حيث وجدنا كتّاب اليوم يعتمدون على المختصّين النفسانيين وعلى المؤرخين لتكون كتابتهم أكثر تماسكًا واحترافية وأبعد عن التناقض.

رابعًا: لا تتساهل في رسم الشخصيات

عناصر الرواية كلّها تتداخل فيما بينها لترسم الصورة المتكاملة للعمل الروائيّ، والشخصيّة المثاليّة في الرواية هي التي لا تتناقض مع نفسها، وهي التي تساهم في تطور الأحداث، وهي التي يتفاعل القارئ معها ويعايش انفعالاتها وتطلعاتها. وإن الكاتب المبتدئ تراه يحشر شخصيات ضمن العمل الروائي ويخرجها دون تفسير، ثم إنه يصف إحدى شخصياته بأنه عصبية ثم يجعلها تتعامل بتروٍ وحلم، أو يصفها بأنها هادئة ثم يجعلها تتعامل بغضب وانفعال!

خامسًا: احرص على المراجعة والتمحيص

يخبرنا الشعر عن القصائد الحولية وهي التي تخضع لعام كامل من التمحيص والمراجعة قبل أن ترى النور وتنتشر بين العامّة، والحال في الرواية لا تختلف كثيرًا عن الشعر فإن الأديب لا يكاد يكمُل عمل فنيّ في عينيه، وإن مراجعة الإبداع لا تكاد تنتهي، وإن مستويات المراجعة لا تقف عند النحو واللغة والأسلوب والحوار والشخصيات، بل تتعدى ذلك لتجعل كلّ ما في الرواية وحدة متكاملة.

سادسًا: استعن بالنقّاد

ما برح الأدباء يستفيدون من النقّاد الذين يقوّمون اعوجاج نصوصهم، ويدلونهم على مواطن القوّة والضعف، فيرأبون الصدع ويكمّلون النقص ويرشدون الطريق، وقد كان الشعراء يعرضون كتاباتهم على النابغة الذبياني في الجاهلية كما هو منثور في كتب التراث.

سابعًا: استعن بمدقق لغويّ

أصبح التدقيق اللغوي في زماننا أمرًا لا بدّ منه، لا سيّما بعد القطيعة بيننا وبين أصول العربية وقواعدها، فمن المؤسف أن تجد كثيرًا من كتّاب اليوم لا يتحاشون الأخطاء الإملائية والنحوية، وهذا من شأنه أن يُسقط الكاتب من عين القارئ، وبالتالي يفقد العمل الأدبي أهم خصائصه ألا وهي التأثير.

ثامنًا: لا تتعجل النشر

في كل مرّة تتمكن فيها من أدواتك الفنيّة، ومن وسائلك التعبيرية، وتتقن الحبكة والسرد والوصف والتعبير بإحكام فإنك تنظر لماضي كتاباتك نظرة الكتابات الساذجة الطفولية، واعلم أنّ كلّ شيء تكتبه فإنه مسجّل عليك إلى أبد الدهر!

أخيرًا:

لا يستطيع أحدٌ أن يعلّمك كيف تصبح كاتبًا أو روائيًّا أو شاعرًا، لأنها ببساطة موهبة كموهبة الصوت الجميل- على حد تعبير سليمان العيسى- ولكن النقّاد يرشدونك كيف تصقل موهبتك، وكيف تعبّر عن تجربتك، وكيف تتمكّن من أدوات الإبداع، ولا شيء ينفعك ممّا سبق إن لم لأدبك رسالة وهدفًا ومغزى تعيش له وتكتب له.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة