مدينة زبيد.. بين أصالة الماضي وجور الحاضر!

blogs مدينة زبيد

من بلدة صغيرة في غرب اليمن على بعد 20 كيلومتر تقريبا من ساحل البحر الأحمر، قدم وفد من إحدى القبائل اليمنية يدعون بالأشاعرة أو الأشعريين إلى المدينة المنورة معلنين إسلامهم ومبايعين للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم. فقد روى الإمام أحمد في فضائل الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا في أصحابه يوما، فقال: (اللهم أنج أصحاب السفينة)، ثم مكث ساعة، فقال: (قد استمرت)، فلما دنوا من المدينة قال: (قد جاءوا ويقودهم رجل صالح)، قال: والذين جاءوا في السفينة الأشعريون، والذي قادهم عمرو بن الحمق الخزاعي، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أين جئتم ؟)، قالوا: من زبيد، قال النبي صلي الله عليه وسلم: (بارك الله في زبيد )، قالوا: وفي رمع، قال: (بارك الله في زبيد)، قالوا: وفي رمع يا رسول الله، فقال في الثالثة: (وفي رمع).

 

كانت هذه السفينة قادمة من منطقة تسكنها قبيلة الأشاعرة التي اشتهر منها الصحابة الكرام أبو موسى الأشعري وأبو مالك الأشعري وغيرهم. وتسمى هذه المنطقة زبيد نسبة إلى الوادي الخصيب الذي يمر بها، وبعد مبايعتهم لرسول الله بقي منهم من بقي في المدينة وعاد البقية إلى زبيد حيث قاموا ببناء مسجد الأشاعرة في العام الثامن للهجرة، وهو المسجد القائم حتى يومنا هذا شاهدا على دخول أهل هذه المدينة في الإسلام منذ عهد النبي الكريم. وأصبحت هذه البلدة شعاعا للعلم ونشر الإسلام في اليمن، وفي العام 214 للهجرة جاء محمد بن زياد واليا من الخليفة العباسي على اليمن، فقام بتخطيط المدينة وحصنها بالقلاع والأسوار والخنادق، وأعلن عن قيام الدولة الزيادية وعاصمتها مدينة زبيد، وعليه اصبحت هذه المدينة عاصمة لليمن منذ ذلك التاريخ ولمئات السنين.

 

ونتيجة لاهتمام أهلها وحكامها بالعلم وانتشار المدارس العلمية والمساجد وما تعرف بأربطة العلم التي تقوم بكفالة الطلاب الذين يقدمون اليها، وأيضا لوجود عدد كبير من العلماء في كافة مجالات العلم الدينية والدنيوية، فقد أضحت مدينة زبيد أكبر وأشهر مدينة في غرب اليمن، ومن عواصم العلم على مستوى اليمن والعالم العربي في ذلك الوقت، حتى أشتهر عنها لقبها بأنها مدينة العلم والعلماء، حيث سكنها العديد من العلماء من ابنائها أو ممن هاجر إليها مثل المرتضى الزبيدي صاحب كتاب تاج العروس في شرح جواهر القاموس، وابن المقرئ وابن الديبع وغيرهم.

 

 
مرحلة الركود

نظرا لموقع زبيد المهم كعاصمة سياسية واقتصادية وعلمية لليمن، ونظرا لوقوعها على أحد أكثر الأودية خصوبة وجودة في الانتاج الزراعي والحيواني، فإنها كانت مطمعا لكل الأعداء والغزاة من داخل وخارج اليمن، فقد دخلها الأيوبيون والقرامطة والعثمانيون والرسوليون وغيرهم. وكان لابد لكل دولة تحكم اليمن أن تسيطر بيد من حديد على المدينة القوية حتى تحد من قوتها وسلطتها المستمدة من قيمتها العسكرية والاقتصادية والمعنوية، لذلك سعى أغلبهم لإضعافها وتحطيم مصادر قوتها بكافة الطرق الممكنة عبر التدمير والقتل كما فعل القرامطة، أو تشجيع مناطق منافسة لها لخنقها تجاريا والعمل على هجرة العلماء والتجار منها خوفا من القتل والتنكيل، أو رغبة في ما لدى المناطق المنافسة من مميزات فقدتها هذه المدينة مع مرور الزمن، حتى أصبحت مدينة مجهولة على مستوى العالم العربي بعد أن كانت تنافس مكة والمدينة والبصرة والكوفة والقيروان وفاس على مستوى العلم وأيضا على مستوى الاقتصاد والتجارة. وكان أحد القابها القديمة (الهند الصغرى) لانتشار التجارة وجودة البضائع من كافة المنتجات المحلية والخارجية.

 

كونها كانت عاصمة لليمن لمئات السنين، فقد احتوت مدينة زبيد على العديد من الآثار من سواء كانت في المنشآت والمباني، أو التحف والصناعات الشعبية القديمة

ورغم كل تلك الصعوبات استمر أهلها مواظبين على نشر العلم وتخريج العلماء في كافة المجالات، حيث ان النواة الصلبة والحقيقية للعلم من الصعب أن تقتلع بسهولة خاصة وأن العلماء كانوا يقدمون عملهم لأجل نشر العلم وليس لأي غرض آخر، كما كان لأهل زبيد دور كبير في استمرار شعلة العلم نظرا لوقفهم الأوقاف على مدارس العلم والأربطة والمساجد، وبذلك كان هنالك كفالة كاملة لكل طالب علم يصل للمدينة، وبواسطتها استمرت المدينة تقدم خدماتها كمركز للعلم دون انقطاع.

 

الآثار والمخطوطات

نظرا لتاريخها الموغل في القدم منذ أن كانت بلدة صغيرة باسم الحصيب قبل الإسلام، ولوجودها في مفترق طرق التجارة البرية والبحرية، وكونها كانت عاصمة لليمن لمئات السنين، فقد احتوت مدينة زبيد على العديد من الآثار من سواء كانت في المنشآت والمباني، أو التحف والصناعات الشعبية القديمة، وهذا ما أدى لإدراج المدينة ضمن قائمة التراث العالمي الخاصة باليونسكو، وتتميز زبيد بطراز معماري فريد وخاص من نوعه، حيث تتواجد المباني التراثية بطول المدينة وعرضها، لكن الإهمال والأحوال الاقتصادية الصعبة وكذلك ظروف الحرب، كلها أدت لتدهور المباني الأثرية وعدم صيانتها وبالتالي فقد العديد منها على مر السنين، حتى أن منظمة اليونسكو تهدد بمحو المدينة من قائمة التراث العالمي، وهي تحتاج لجهود ضخمة للحفاظ عليها من الاندثار.

 

أما على مستوى العلم فقد تعاقب على المدينة خلال الـ 1200 عام السابقة آلاف العلماء الذين استوطنوا المدينة وكان لكل عالم اسهاماته عبر نشر العلم والتأليف، وكانت الوسيلة الأساسية لنشر المؤلفات هي المخطوطات، حيث احتوت مكتبات مدينة زبيد العامة والخاصة على مئات الألوف من المخطوطات القيمة والنفيسة منها أمهات الكتب، ولازال عدد مهول منها لم يتم تحقيقه أو نشره، وتتنوع هذه الكتب بين كتب الفقه والحديث والتاريخ واللغة والأدب والنحو والرياضيات والفلك والطب وكافة مناحي العلم التي برع فيه العرب والمسلمون. وللأسف تنتشر منذ فترة طويلة ظاهرة بيع المخطوطات الخاصة بالمدينة لمشترين من دول أخرى، ما أدى لفقدان العديد من المخطوطات القيمة وبيعها للخارج، وفقدت المدينة واليمن ككل ثروة علمية وتاريخية كبيرة جدا بهذه الطريقة التي لا يوجد دليل على قرب انتهائها حتى الآن.

 

إن المدينة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهلها (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم)، أصبحت في خطر اندثار معالمها الأثرية وضياع ثروتها العلمية، لكن ما يحسب لأهلها وجود مجموعات نذروا أنفسهم للحفاظ على هذا التراث وترميمه وفهرسة المخطوطات وتنقيحها وتحقيقها، رغم أن هذه الجهود الفردية غير كافية وتحتاج لدعم كبير.

 

كما أن المدينة مظلومة إعلاميا، حيث ان وجود مدينة بمثل هذا التاريخ ولاتزال مجهولة لمعظم الناس على مستوى الوطن العربي والعالم لهو مشكلة كبيرة تحتاج لوقفة كبيرة من جميع المنظمات المهتمة بالتراث على مستوى اليمن والعالم العربي والعالم.

باختصار: لو أن هذه المدينة موجودة في دولة أخرى لكان لها شأن آخر تماما، ولكانت قبلة سياحة وعلم وترفيه، والأمل أن يتغير وضعها مستقبلا.. فبرغم التحديات بقيت المدينة وستبقى بحفظ من الله وبجهود ابنائها المبدعين.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة