هل يملك بيعك أقزام قد قاد خطاهم شيطان؟!

blogs ترامب ونتنياهو

بعيد رحيل الرئيس عرفات كتبت مقالة عرضتها على أستاذ جامعي متخصص ومحترف في الإعلام وحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة أمريكية يشار لها بالبنان في مجال الدراسات المتعلقة بالصحافة والإعلام، فقال لي: أنت حر في نشر مقالتك، ولكن تأكد أنه لن يقرأها كاملة وبتعمق سوى عدد قليل جدا، لأن الجو الإعلامي منشغل بهذه المسألة وكتب ويكتب حاليا عنها كثير من المقالات والتحليلات والدراسات، وهذا يجعل القارئ يشعر بنوع من الإشباع الإعلامي ويكتفي بالنظر السريع إلى العناوين.

 

ربما فكرت بهذه الطريقة وأنا أكتب عن صفقة القرن، وربما قلت لنفسي: ما الذي ستقوله ولم يقله غيرك؟ وما هدفك؟ تسجيل موقف مثلا؟ أم هل فعلا لديك شيء جديد؟ ولو كان ثمة جديد يقال فمن سيلتفت له في خضم هذا الكم الهائل من الحديث عنه وحوله؟ ولكن الأمر ليس مجرد كتابة رأي بقدر ما هو تعبير عن ألم وحزن وغضب وشعور غامض لا يسعف البيان في وصفه؛ فأنا ولدت وعشت وكبرت وصرت في العقد الخامس من عمري حاملا صفة اللاجئ الفلسطيني، ساكنا في بيت في جزء من وطن محتل، لم أقدم له ربما عُشر ما قدم آلاف من أبنائه وبناته، ولكن لم يفارقني عشق فلسطين، ولم يخامرني الشك بحقي، وإن كان اليأس أحيانا يحاول التسلل، ويوسوس الشيطان وسوسته الخبيثة في لحظات ضعف إنساني، إلا أن إيماني كان وما زال وسيظل بأن التحرير والعودة أمر يقيني ثابت كتعاقب الليل والنهار.

 

لا يفوتني في هذه المحنة، ونحن نرى عربا يؤيدون علنا وآخرون بألفاظ ملتوية، إعلان ترمب-نتنياهو بصفاقة غير مسبوقة منذ وعد بلفور، أن أشير وأؤكد أن أزمة ومأساة الشعب الفلسطيني كانت بسبب سوء أحوال الوضع العربي

قبل بضعة أيام من إعلان الثنائي ترمب-نتنياهو عما صار يعرف بـ(صفقة القرن) مساء الثلاثاء 28 كانون ثاني/ يناير 2020 دار حوار سريع بيني وبين أكاديمي فلسطيني مقرب من حركة فتح، وقد قلت له باختصار ردا على كلام له حول الشرعية الدولية: لا تنسى يا دكتور بأن هذه الشرعية المزعومة هي التي أقامت إسرائيل وثبتت أركانها هنا، وكان رده أن القرارات الدولية فعلا مجحفة ولكنها لم تمنح الحركة الصهيونية ما أخذته فعليا، وكان ختام الحديث بأن الشرعية الدولية على عوارها فإن إسرائيل لا تلتزم بقراراتها عموما!

 

وهذا الحوار العابر هو الأساس وكلمة السر؛ فلقد تم سحبنا إلى فخ القانون الدولي، وشرعية قرارات الأمم المتحدة، وهو قانون لم يكن للعرب والمسلمين دور في إرساء قواعده، أو مساهمة ولو متواضعة في صياغة بنوده، وهو في الأول والآخر يقوم على معيار القوة والسطوة، وليس للحق والعدل مكان فيه، بل القوة وحدها؛ ألا ترى أن الدول الخمس التي تملك حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي هي الدول التي تملك الضغط على الزر الأحمر النووي؟ ألا تعتبر قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي تقوم على التصويت بمعيار الأغلبية، ليست ملزمة؟

 

ألم تعلم أنه خلال بضعة أشهر قد أصدر مجلس الأمن 12 قرارا ضد العراق، ومنها قرار أجاز استخدام قوة شاركت فيها أكثر من ثلاثين دولة ضده، فيما الفيتو الأمريكي جاهز في وجه أي قرار يدين ولو بألفاظ خجولة (معشوقتهم) إسرائيل؟! أليس القانون الدولي هو الذي سمح بوجود إسرائيل بإحداث نكبة مستمرة للشعب الفلسطيني؟ أليس القانون الدولي يجرّم المقاومة الفلسطينية، ما لم تكن بمواصفات يضمن سلفا أنها لن تكون كافية لاسترداد الحقوق؟

 

لقد قبلنا الدخول وخوض معركة ضمن ميدان محددة لنا سلفا مساحته وطبيعة أرضه، وأدواتنا فيه، وفق ظروف معروفة لا داعي للإسهاب في شرحها…ولكن آن أوان العودة إلى الميدان الحقيقي، وهذا ليس كلاما عاطفيا إنشائيا، ولا يبتعد عن جوهر الصراع، بل هذه ساعة الحقيقة، ولا داعي للبقاء في دائرة (رضينا بالهم أو البين ولم يرض البين بنا!).

 

فإذا كان ترمب يريد استنساخ وعد بلفور من جديد، فليكن الرد عليه، بأن فلسطين لن يكون أي شبر منها (إسرائيل) بعيدا عن التمسك بقرارات أممية أو ما شابه، لأن هذا ينطبق عليه حال المثل المشهور (إذا كان غريمك القاضي فمن تقاضي؟!).. موازين القوى لا تسمح بهذا، وهي ليست في صالحنا؟ ومنذ متى كانت موازين القوى في صالحنا؟ سواء حين كنا نقاوم أو حين ذهبنا إلى طريق التسوية والمفاوضات؟ في كل مرحلة كانت هذه الموازين ضدنا، وهل يكفي هذا القول وحده دون قوة مادية تسنده وتدعمه وتجعله فاعلا؟ لا، ولكنه أساس وقاعدة يُبنى عليها فواعل التغيير الحتمي سيرورة وصيرورة.

 

هذا الإعلان سيسجله التاريخ كبداية التحرر من أسر قيود لعبة الشرعية الدولية القائمة وبناء شرعية جديدة لا تمنح الغاصب أي حق أو ميزة، ومثلما كان هناك من يظن أن حلم (دولة اليهود) لن يتحقق

لا يفوتني في هذه المحنة، ونحن نرى عربا يؤيدون علنا وآخرون بألفاظ ملتوية، إعلان ترمب-نتنياهو بصفاقة غير مسبوقة منذ وعد بلفور، أن أشير وأؤكد أن أزمة ومأساة الشعب الفلسطيني كانت بسبب سوء أحوال الوضع العربي؛ فالفلسطيني كان ضحية لهذا الوضع المزري، فلقد كانت فلسطين ضمن ولايات السلطنة العثمانية، ورغم كل ما يقال فإنه لم يكن ثمة إمكانية لتحقيق الحلم الصهيوني في اغتصاب فلسطين، وجعلها وطنا لليهود، إلا بتفكيك وهزيمة هذه السلطنة، حتى في أشد حالات وهنها وضعفها وكونها (الرجل المريض) كان المشروع الصهيوني مجرد هراء وخرافات، وما إن فقدت السلطنة ولايتها وحكمها على البلاد العربية حتى حلّ محلها احتلال أوروبي مجرم، لم يتركها حتى عمل على هندسة هويات قُطرية خاصة بها، فيما فلسطين تقاوم احتلالا بريطانيا مجرما لئيما عمل على تحويلها إلى كيان لليهود الصهاينة…وحسب الفلسطيني وظن بإخوته العرب خيرا، ووافق على وقف ثورته الكبرى بقرار عربي، وسار في متاهات الأقطار العربية المهندسة بقلم المستعمر، ولكن كانت قضية فلسطين ورقة مزايدة، أما الآن فصار عرب يريدونها ورقة ضمان ومساومة، وهذا لعمري هو قعر هاوية الخزي والعار…

 

لن أتحدث عن لعنة التاريخ فالقوم لا يعيرون هذا أي اهتمام، ولكن للتذكير أيضا فإن الفلسطيني في الوطن المحتل رفض لفترة إنشاء جامعات كي يظل على ارتباط وتواصل مع إخوته العرب، مع توفر الإمكانيات البشرية والمادية، ولما افتتحت الجامعات جعل بعض التخصصات فيها غير متاحة لذات السبب، فالفلسطيني لم ولن يرمي الخير من شقيقه العربي، بل لطالما اعتبره نفسه وليس شقيقه فقط، ولكن العربي بنظره هو من طينة الشيخ عز الدين القسام ابن بلدة جبلة في الساحل السوري وأمثاله، وليس من يضع يده في يد اللص والقاتل والمغتصب، ويقول له: عليك التحلي بالعقلانية والقبول بما يُعرض عليك… هذا لن يكون… وقريبا سيعلم العالم كله ماذا بوسع الفلسطيني أن يفعل، وإن كان ثمة شك أو استهانة، فلينظر المتشكك إلى كيان مدعوم من كل قوى الاستكبار لم يتمكن من وأد فلسطين بكل ما يملك من قوة عسكرية ومالية وتقنية يستخدمها منذ أجيال!

 

وفي الختام ذكرني ترمب وهو يبيع ما لا يملك إلى لص أمام كل شاشات العالم بأنشودة قديمة عمرها حوالي ثلاثين عاما تصلح للرد على أمثاله ومن كلماتها:-

 

هل يملك بيعك يا وطني في هذا العالم إنسان؟

هل يملك بيعك أقزام قد قاد خطاهم شيطان؟

الحق هناك ينادينا وطيور الدوح تغنينا.

ودماء شهيد ملتحد بالسفح تراب فلسطينا

وسنرجع يوما يا وطني وسنغرس فيك أمانينا

يا وطني كنت لنا دنيا وخلاصك صار لنا دينا!

يا وطني أنت العنوان يا وطني حبك إيمان

 فلتخسا كل قراصنة الدنيا فحماتك ما هانوا

 

هذا الإعلان سيسجله التاريخ كبداية التحرر من أسر قيود لعبة الشرعية الدولية القائمة وبناء شرعية جديدة لا تمنح الغاصب أي حق أو ميزة، ومثلما كان هناك من يظن أن حلم (دولة اليهود) لن يتحقق، فسيدرك أن حتمية نهايتها في أرض فلسطين ليست حلما، والكيّس من يبني حساباته على هذا الأساس، وإلا سييوء بخسران مبين.