علاقة الملك فؤاد بأقطاب الفكر في عصره

BLOGS الملك فؤاد

كان عصر الملك فؤاد باعتباره عصر ثورة وطنية أعقبها إعلان الاستقلال قد شهد انتعاشًا كبيرًا في الفكر والثقافة والأدب والفن، وقد كان الملك فؤاد نفسه يعرف ويدرك أنه بوضعه الجديد أصبح مطالبًا بأن يكون على مستوى المسئولية في مواجهة هذه النهضة، ومن حسن الحظ أنه كان كذلك، ونحن نعرف بالفطرة أن الملك (أوتوقراطيًّا كان أو دستوريًّا) يستطيع أن يسهم في النهضة من نواحي متعددة، فهو مثلًا الذي يعطي أو يمنح الأوسمة أو القلادات أو الألقاب التي تتوج إنتاج الفنانين والأدباء، وهنا نستطيع أن نلمح أن الملك فؤاد قد مارس أوتوقراطيته بأقصى درجة ممكنة لملك أوتوقراطي (ولا نقول لملك دستوري لأنه كان بطبعه وإرثه قد تجاوز هذه الحدود)، وسأضرب أمثلة تاريخية يعجب القارئ لأن يكون صاحب القرار المؤثر فيها هو الملك فؤاد نفسه.

 

مدير الجامعة بك ووكيلها باشا

لما تأسست الجامعة المصرية الحكومية في 1925 كان من الطبيعي أن يكون مديرها هو أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، وكان نظام الجامعة يقضي أن يكون وكيلها هو أحد العمداء وليس أستاذًا متفرغًا للوكالة، وهكذا أصبح علي إبراهيم عميد كلية الطب وكيلًا للجامعة مع أحمد لطفي السيد، ومديرًا بالنيابة في الفترات التي ترك فيها أحمد لطفي السيد الجامعة لتولي الوزارة أو بالاستقالة الاحتجاجية … إلخ.

 

وهكذا ظل أحمد لطفي السيد مديرًا من 1925 وحتى 1940 ثم أصبح علي إبراهيم مديرًا من 1940 وحتى وفاته 1947 وهو مدير للجامعة، لكن الملك فؤاد مع احترامه للوضع العلمي والبروتوكولي كان لا ينكر رأيه غير المستريح لأحمد لطفي السيد على أكثر من نحو، وظهر إبداؤه لرأيه الذي لم يكن يخفيه على أكثر من نحو، ومن ذلك منح علي إبراهيم رتبة الباشوية قبل أحمد لطفي السيد، فكان مدير الجامعة بدرجة بك والوكيل بدرجة باشا. وكان الملك فؤاد سعيدًا بهذا التصرف، بل كان أقرب إلى أن يكون متحدثًا عنه بنشوة.. وهو تصرف طريف يجعلنا نترحم على ثلاثتهم.

 

أستاذ بدلا من أن يكون مدرسا
كان الملك فؤاد والنحاس باشا كل من طرفه يعقد آمالًا عظيمة على تطوير الأزهر، وكانا على اقتناع بضرورة اختيار مصلح منجز لقيادة الأزهر. وعلى حين كان النحاس باشا قد بلور أمله في الشيخ محمد مصطفى المراغي فقد كان الملك فؤاد يرى هذا الأمل في الشيخ محمد الأحمدي الظواهري

وفي موضع آخر من كتبي ذكرت قصة حرص الملك فؤاد على الامتنان لطه حسين لأنه كان يهاجم سعد زغلول باشا بضراوة لا مثيل لها، وكان هذا مما يسعد الملك فؤاد بالطبع. وهكذا فإنه عند نقل العاملين في الجامعة المصرية القديمة إلى كيان الجامعة الحكومية الجديد وتسكينهم في وظائفها فقد كان المنطقي أن ينقل طه حسين لدرجة مدرس في الجامعة الحكومية، لكن الملك فؤاد قال إنه يرى أن يعين طه حسين أستاذًا مباشرة دون انتظار الترقيات التي تنقله للأستاذية عبر مراحل اللجان والبحوث والمناقشة. وهكذا أعطى الملك للدكتور طه حسين دفعة كبيرة جعلته يسبق معاصريه، ويصبح بعد وقت قصير مرشحًا لأن يكون أول عميد مصري لكلية الآداب (في 1929)، وهكذا… وبهذا المنصب العلمي أصبح الدكتور طه حسين مؤهلا لأن يتخطى أساتذة مصريين كانوا أسبق منه في التأهيل بالدرجات الجامعية العليا من فرنسا وبريطانيا.

 

المدارس العليا

وفي مستويات التعليم المختلفة كانت جهود الملك فؤاد تزداد تألقًا، فالمدارس العليا التي نشأت من قبل عهده شهدت ازدهارًا في عهده جعل بعضها يتحول إلى كليات جامعية مباشرة وينضم للجامعة وهو ما حدث للطب، وللزراعة، وللهندسة، وللتجارة، وبقيت دار العلوم حتى ضمت هي الأخرى للجامعة في عهد الملك فاروق وكذلك الفنون التطبيقية، على حين انتهى عهد مدرسة المعلمين العليا القديمة نظرًا لنشأة كليتي الآداب والعلوم.

 

الأزهر

وقد تواكبت نشأة الجامعة مع تطوير التعليم العالي الأزهري بنشأة الكليات الثلاث (1930) وهي كليات الشريعة وأصول الدين واللغة العربية، ومن ثم انتهى عهد مدرسة القضاء الشرعي، وبدأ العمل في إنشاء مباني الكليات الثلاث الجديدة التي بدأت في تخريج علماء متخصصين يتأهلون بعدها بدرجتي التخصص في المهنة (القضاء أو الدعوة أو التدريس) أو في أستاذية المادة. وشهد هذا العهد امتداد مؤسسات التعليم الأزهري إلى إقليم الصعيد فنشأ معهد أسيوط ليكون بمثابة منارة للتعليم الديني في الصعيد، وكانت نشأة هذا المعهد على أكمل وجه من استكمال وارتقاء كل شيء تتطلبه العملية التعليمية.

 

المراغي والظواهري

وكان الملك فؤاد والنحاس باشا كل من طرفه يعقد آمالًا عظيمة على تطوير الأزهر، وكانا على اقتناع بضرورة اختيار مصلح منجز لقيادة الأزهر. وعلى حين كان النحاس باشا قد بلور أمله في الشيخ محمد مصطفى المراغي فقد كان الملك فؤاد يرى هذا الأمل في الشيخ محمد الأحمدي الظواهري، وقد عارض الملك فؤاد في اختيار النحاس باشا للمراغي مرة بعد أخرى، إلى أن تصادف أن دعمه الإنجليز بسبب معرفتهم السابقة له حين كان قاضي قضاة السودان، أو لأي سبب آخر، فلما ذهب المراغي يشكر النحاس باشا على اختياره له كان النحاس باشا من قوة الشخصية على نحو ما هو معروف عنه بحيث قال له: إنني لم أفلح في تعيينك وأن الأولى أن تشكر الإنجليز.

 

ومن باب عجائب القدر أن الشيخين المراغي والظواهري كانا في جوهريهما إصلاحيين كبيرين وإن تخفى إصلاح الظواهري تحت عباءة قدر أكبر من المحافظة المظهرية ولهذا فلم يكن غريبًا ما حدث من أن ينفذ الظواهري برنامج المراغي للإصلاح، ولا يغير من خطته ولا من تفاصيله إلا في جزئيتين بسيطتين من قبيل اسم المجلة التي يصدرها الأزهر. ولهذا فليس غريبا أن نقرأ في مرجع ما أن الظواهري هو الذي نفذ الإصلاح الأزهري، ولا أن تقرأ في الوقت ذاته في نفس الكتاب أن المراغي هو الذي قدم برنامج الإصلاح الأزهري. وعلى كل الأحوال فقد تحول الخلاف بين أنصار الرجلين إلى صيغ طريفة ليس من أطرفها أنه صراع بين الصعيد (المراغي) ووجه بحري (الظواهري).