شبكات التواصل وصناعة التفاهة

blogs هاتف

تعتبر شبكات التواصل الاجتماعي في وقتنا الراهن الوعاء الأكبر في الشبكة العنكبوتية، وذلك باعتبار أنها مباحة للجميع بلا شروط أو قواعد، فيمكن للجميع استخدامها واللجوء إليها دون شرط أو قيد، الجاهل من حقه أن يدخلها والمنحرف والمجرم والنصاب… فلا حدود ولا مزايا لمن يريد استخدامها، ولعل الخطأ الأكبر في هذه الخدمة العولمية الحتمية أنها تفتقد للمعايير التي تحفظ مكانة المواهب وتعطيها حقها وقيمتها الحقيقية.

 

ولهذه الأسباب شجعت هذه الشبكات على سطحية التفكير، فسابقا كان التفكير أعمق والمقال والعمود كان أعمق كذلك، والآن أصبح سطحيا وأصبحت المعلومة بلا معنى، بلا تحليل وبلا تفكير وهذه هي مشكلة العصر الرقمي ، فالنجم اليوم في شبكات التواصل الاجتماعي ليس المفكر وليس الكاتب وليس المثقف بل هو التافه، وكلما زادت تفاهة هذا النجم زادت نجوميته، وذلك لأن السوق الرأسمالية في الإعلان التجاري تعتمد زيادة أرباحها على عملية زيادة التفاهة عند الناس .

 

وإذا أردنا الحديث عن العقول ومستويات الوعي والمواهب، فإن الغالبية العظمى من مستخدمي هذه المنصات التواصلية هم من المسطحين فكريا وثقافيا، ويكفي أن نضرب أمثلة من عمالقة الفكر والأدب يتم إهمالهم من قبل الجمهور التواصلي في الشبكات الاجتماعية، في وقت نجد فيه أصحاب العقول الاستعراضية الشكلية تحتل هذه المنصات وتستحوذ على اهتمام الكثيرين، ما يعني بالنتيجة وجود الوعي المسطح الذي أصاب الجميع بعد أن صارت شبكات التواصل أبواباً مفتوحة لتسلل المغرمين بالتفاهة وقلة الوعي.

 

ليس العلاج بالطبع هو منع الشبكات الاجتماعية، فقد دخلت هذه الأخيرة أدق تفاصيل حياتنا، وصرنا نحتاجها في نومنا، صحونا، ليلنا، نهارنا، صوتنا وصمتنا، مائنا وطعامنا

فمنصات التواصل الاجتماعي باتت كالمرآة الكاشفة لحقائق المجتمع، ولا شيء بات خافياً أو مستوراً في ظل انتعاش القشرية والسطحية، فلا رادع ذاتي ثقافي أو مبدئي أو فكري أو أخلاقي، ولا همّ للشركات سوى زيادة مستويات التفاهة عند الجمهور لمضاعفة أرباحها، والمشكلة الأكبر هي صعوبة وضع حد لهذا الانحدار المريع نحو الهاوية، فلا جهد ثقافي أو فكري أو ديني بقادر على صد هذا السيل الجارف من التسطيح، ولا مجال للرجوع إلى الوراء وطرد هذه المنصات خارج العولمة ووسائلها التي تعمل كل ما بوسعها لكي تصل إلى أهدافها الربحية المحضة .

 

هذا ما يثيره التساؤل المؤلم حين يتساءل أحد المفكرين بالقول: وماذا بعد هذا العبث؟ أخلاق تنحدر، ذائقة تتشوه، ثقافة تتسطح، قيم تتلاشى، جيل بأكمله يضيع. ومن المسؤول عن هذا كله؟، ليجيب هو بنفسه عن هذا التساؤل المصيري فيقول: كلنا مسؤولون، من أفراد ومؤسسات، فلولا تناقل الناس لمقاطعهم لما اشتهروا، هناك مواهب حقيقية وسط هذا الغث الكثير، ولكنها تعاني تجاهل الجميع لها. ثم يطرح بعض الحلول التي تتطلب جهودا استثنائية حين يقول: هنا يبرز دور القنوات التلفزيونية والصحف والمهرجانات الثقافية والمنتديات الإعلامية، ساهموا أنتم في إبرازها، هذه مسؤوليتكم، هذا هو دوركم.

  

فهل أنتم فاعلون؟؟ هذا هو تساؤلنا، أليس هذا واقع الحال الفعلي، ألم تتحول شبكات التواصل إلى ساحات عرض هجينة، يختلط فيها الغث مع السمين ليطغي الأول على الثاني، فتضيع ملامح الأصالة وتُهدَر القيم، وتخضع المواهب للتحجيم المتعمَّد، وتنتشر التفاهة بين الجمهور على أوسع نطاق، وكل هذا يتم بفعل مخطَّط له مسبقا، تقف وراءه الشركات الرابحة والحكومات التي تضلل شعوبها لتحتكر وتمتص المزيد من الأرباح صانعة بذلك نوع خطير من عدم التوازن عالميا في ميادين ومساحات مختلفة منها الجوع، الجهل، المرض، تسطيح الوعي.

  

فليس العلاج بالطبع هو منع الشبكات الاجتماعية، فقد دخلت هذه الأخيرة أدق تفاصيل حياتنا، وصرنا نحتاجها في نومنا، صحونا، ليلنا، نهارنا، صوتنا وصمتنا، مائنا وطعامنا، فلا خيار لنا في محوها من وجودنا، لكن الحل الأنسب ينبع من المزيد من الثقافة والفكر العميق والوعي الأعمق، كيف يحصل هذا؟، الفرد عليه مسؤولية الصعود بمستواه الفكري الثقافي السلوكي، الجماعة كذلك، الدولة ومؤسساتها، المنظمات المتباينة في مهامها وأهدافها، باختصار الكل مشمول بالتصدي لهذه المهمة التي تعد من العيار الثقيل، الكل تقع عليه مهمة جعل منصات التواصل وشبكات الاجتماع محطات انطلاق للأعمق والأقوى والأصحّ من الفكر والوعي والسلوك.