اللغة والسيادة المفقودة

blogs لغة

تعد اللغة أساس مرجعية تاريخ كل شعب ومحطة التنقيب عن حضارته كما أنها مفتاح الأسرار وأمان واق من الجهل وقناة لابد منها للتواصل وربط العلاقات، وهي – اللغة – أداة فاعلة في التعارف وتبادل الثقافات، فإذا كانت السيادة اللغوية ترتكز على ثوابت الدين واللغة الأم والتراث المعرفي وتستمد عناصر كينونتها منها كما تتبادلها معها، فإنها كذلك تشكل الهوية المتجذرة من الوطن بكل مقوماته الحضارية وخصوصياته القيمية التي تُنتجها لغة الوطن، كما أن الأمن اللغوي العربي جزءٌ لا يتجزأ من الأمن القومي، لأنها هي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها وحقائق نفوسها، فهي قومية الفِكر إذا قَويت فلن تكون اللغات الأخرى إلا خادمةًّ يُرتفق بها، وباللغة الأصلية يتنفس الأفراد أصولهم ومنها يستمدون السيرورة باعتبارها مُكونا حيويا من مكونات هوية الأمة الواحدة، وبها يصَان الأمن اللغوي من الانحلال وذلك بمواجهة ما يتهدده من سيطرة العولمة والتغريب الفكري، والتنقيص منها ذاتياُ قبل أن يكون خارجياً.

  

وبمقوماتها ينحصر الشعب في ذاته السامية فلا يَسهُل انتزاعه منها وإذا أُلجئ إلى حالٍ من القهر لم ينخذل، واستمر يعمل ما تعمله الشوكة الحادة إن لم تترك لنفسها لم تُعطِ من نفسها إلا الوخز، فحذارِ من مَسخِ الهوية أو خدشها بالتفريط في اللغة الأم، فضابط الهوية يشكل حجر الأساس في المجتمع ولن يتأتى اكتساب المناعة الأصيلة إلا بالحفاظ عليها والعمل على إعادتها إلى مكانتها الأصلية، وإنّ قول محمد الصادق الرفاعي إلا شاهد واقعي على حال لغتنا في زمننا هذا "فما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار" فالآخر يفرض لغته فرضا ويَشعُر بعظمتها ويَستلُ حقهم من ناحيتها فيحكم عليهم أحكاما ثلاثا في عمل واحد:أما الأول فسَجن لغتهم في لغته سَجَنًا مؤبداً والثاني الحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً ، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها فأمرهم من بعده لأمره تَبِع "عمر بوحموش سيادة اللغة أو اللغة السيادة".

  

واللغة العربية مؤهلة للأخذ والعطاء فهي مرِنة تنصاع لعمليتي التعريب والتعجيم تنقل جميع الألفاظ الأعجمية إلى معنى واضحا مستوعبة لها، كما يمكن ترجمة ألفاظها إلى سائر اللغات لأداء المغزى المقصود من التركيب وعليه فإن سيادة اللغة العربية أو لغة السيادة بطريقة عفوية إنما نابعة عن أحقيتها في الخلود واختيارها لغة القرآن الكريم وسيادتها نابعة من جمالها فلا مجال للقول كما يدعي البعض اليوم بعدم قدرتها على مسايرة الحضارة والتقدم وفق متغيرات العصر، كما أنه لا مجال لتسميم الأجيال بأفكار تُنقِص من قدرة لغة الضاد على استيعاب المعلومة أي كان مصدرها ونوعها،فهي مستوعبة للتطور ولا عيب ليس فيها إنما العيب فينا، ويقول الأستاذ ماجد خير بك في هذا الإطار " ولذا نرى لغتنا العربية عميقة الجذور وممتدة الفروع وارِفة الظِلال ولم تكن في يوم من الأيام جامدة منكمشة على نفسها فهي لم تدخل مكاناً إلا وسيطرت عليه وضمته تحت جناحيها".

   

النهوض باللغة العربية ليس مسألة تعليمية تربوية تتكلف بها جهة معينة أو شأن جماعة دون أخرى، ولكنها قضية مصيرية تتداخل فيها جميع الجهات والأطياف باختلاف مشاربهم ومهامهم

فإذا كانت اللغة رِباطاً مقدساً يشدنا إلى تراثناً وتاريخناً ويربطنا بواقعنا المؤسس أصلا على التنافس وفرض الذات وُيمهِد لنا الطريق إلى مستقبل أفضل لأمة أفضل وتؤدي غرضها المنشود فإنه لابد من رعايتها والاهتمام بها بِعقل لا يذهب في تفتحِه إلى التفريط بشيء من خصائصها ولا يؤدي في تَحجُرِه إلى الانغلاق في وجه إمكانيات التطور الكامنة فيها، فهذا لا يعني أن ننكمش على أنفسنا وخصوصيتنا، بل يجب أن ننفتح على العالم الخارجي ونطلع على مختلف الثقافات ونربط العلاقات ذات الصلة بالميدان اللغوي الفكري للآخر، لأن هذا التبادل الثقافي يفيدنا في استثمار ثقافتنا ويُطوِر معارفنا ويحافظ على هويتنا، وهو في آن واحد عامل فاعل في أخذ تجربة الآخرين ومواكبة نمط الحياة الذي يظهر فيه كل يوم ابتكار جديد.

    

لكن ليس بالمقابل أن تنازل عن ماضينا من أجل اتباع الآخر في جميع الأشياء، فنحن أمة ذات أمجاد وحضارة رفيعة، فلا مجال للانسلاخ من الهوية العربية بدعوى التقدم متذرعين أن لغتنا لم تَعُد لغة علم وبحث فإنما العيب فينا لا فيها؛ فيجب أن نشجع كل جديد ونأخذ منه ما ينفعنا للسير قُدما لمواكبة العصر، مع أخذ الحذر والاحتياط من الانسياق في الحضارة الغربية حتى لا تُسلبَ قِيمنا ومُثلنا العليا وتلهينا على التشبث بسيادة لغتنا والمحافظة على معالم تراثنا وهويتنا.

    

إن من المعالم اللغوية في إثبات الهوية التشبت بروح القومية الحقة والمثابرة وتكريس الأسُس للتقدم والسير إلى الأمام لنُساير التجديد ونفرض الوجود، وليس بالتَواكل نبني المجد ولا بالكسل نَصِل إلى المبتغى ولا بتهميش اللغة الأم والتنقيص منها نعتلي القمة، فالتعريب وسيلة إلى ذلك وغاية ليس إلا، فهو وسيلة لابد من أن تُتبع فيه مناهج السلف مع شيء من المرونة إزاء متطلبات العلوم الحديثة، وهو غاية ينبغي أن يقودنا إلى التعريب بكل توجهاته الأبجدية والحضارية والفكرية والغاية التي تؤكد هويتنا، وتؤسس استقلالنا بعيداً عن التبعية بكل تجلياتها، وقد سبق أن عبر الأستاذ ابراهيم العسكري في هذا المقام "أننا تبعا لمعطيات الحاضر وتوقعات المستقبل، نريد تعريبا وترجمة أكثر حيوية وحياة واستجابة لمتطلبات مجتمع المعرفة الذي إن لم نسارع بدخوله في عالمنا العربي، فل يكون لنا مكان لائق تحت شمس هذا العالم، إن لدينا الكثير ونستطيع إنجاز الكثير المهم أن نبدأ؛ وأن نبدأ بسرعة ومرونة واستجابة وحِرص على الدقة".

   

إن النهوض باللغة العربية ليس مسألة تعليمية تربوية تتكلف بها جهة معينة أو شأن جماعة دون أخرى، ولكنها قضية مصيرية تتداخل فيها جميع الجهات والأطياف باختلاف مشاربهم ومهامهم، مع مراعاة كل الجوانب الحضارية والاجتماعية والنفسية والفكرية والثقافية، والتي تستدعي تضافر كل الجهود للإسهام في العناية بها، لتكون لغة العلم والثقافة والفكر ولا يمكن أن يتحقق هذا المطلب دون إسهام الجميع فيه.

   

فاللغة بوجه عام هي الركن الأساسي في كل قومية، والمِرآة التي ترى فيها كل أمة أهم مقومات شخصيتها، وتجمع فيها مجمل حكمتها وخبرتها ورصيد قيمتها ومبادئها التي تعيش بها، ونختم خذه الأسطر بقول علال الفاسي" إن اللغة العربية هي حياة الأمة وعنوان وجودها، وإن كل أمة لا يمكن أن تتحقق من ذاتيتها إلا في لسانها القومي عن تفكيرها التلقائي" فيجب أن نعلم علم اليقين أن نجاح لغتنا يبدأ بإيماننا بذلك، ولنعتقد أن الإيمان هو أساس النجاح وكلما استقر الإيمان في القلب إلا انتقل به من الفكرة إلى الواقع المتحرك.