logo

الشيخ الطيب والخشت والسيسي ورابعهم أخناتون

شهد مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر والعلوم الإسلامية بالقاهرة سجالًا واشتباكا حادًّا بين فضيلة الإمام الأكبر الشيخ / أحمد الطيب، ورئيس جامعة القاهرة الدكتور/ محمد الخشت. وقد تفاعلت مواقع التواصل مع هذا الحدث؛ إذ نال النقاش اهتمامًا واسعًا من كافة التيارات السياسية المصرية، لدرجة أن البعض اعتبر النقاش بداية صراع بين (المشيخة والجامعة)، والمقصود بالجامعة هنا: جامعة القاهرة، وبالمشيخة: مؤسسة الأزهر الشريف.

   

وبعيدا عن الدعاية الإعلامية المتحيِّزة والساعية للإثارة والانفعال، تعالوا بنا ننظر للصورة الأوسع والخبرة التاريخية المصرية فيما يخص تجارب الإصلاح الديني للنظر، فمؤتمر الأزهر للتجديد في الفكر والعلوم جاء انعقاده استجابة لطلب من رأس النظام السياسي وتحديدًا من رئيس الجمهورية، وهذا أمر نادر الحدوث في التاريخ المصري، فصدور نداء من الحاكم السياسي للمؤسسة الدينية لإحداث ثورة فكرية تمس أفكار تدين غالبية المجتمع ومعتقداته ونمطه؛ أمر لم يحدث إلا في حالات معدودة تاريخيًّا، ولذلك من المهم أن ننظر لدعوة الرئيس السيسي لتجديد الخطاب في إطار التجربة التاريخية المصرية، حتى نستشرف مستقبلها وآثارها الاجتماعية والسياسية، لذلك أطرح هذا السؤال: هل حدث في تاريخ مصر ثورة دينية بأمر سياسي وكُتب لها النجاح؟!

 

المشهد التاريخي

امتازت الحياة الدينية في مصر الفرعونية بتعدد الآلهة والمعتقدات، فكان لكل بلدة وإقليم إله خاصٌّ، وكان الفرعون أو الحاكم السياسي سعيدا بهذا التنوع الدينى وحريصا عليه؛ لأنه يضمن له عدم توحد المؤسسة الدينية (الكهنة) تحت راية واحدة من الممكن أن تعارضه وتقوض ملكه، فالفرعون بدعمه لهذا التنوع الديني وعدم التدخل فيه وفَّر على نفسه ونظامه معارك داخلية كان يمكن أن يقع فيها ويشعلها لو تدخل في الشأن الديني، فالعلاقة كانت قائمة بين المؤسسات الدينية والبلاط الرئاسي على فلسفة لكم معابدكم ولى منكم الخضوع وعدم العصيان، واستمرَّت هذه العلاقة قائمة بين كل نظام سياسي حكم مصر سواء كان وطنيًّا أو محتلًّا للبلد وبين مؤسسات مصر الدينية.

  

وقع الحكام الرومان المحتلين لمصر في العصر الروماني في الخطأ نفسه عندما حاولوا فرض التصور المسيحي الروماني على المسيحيين المصريين، وأدى ذلك لثورات مصرية متعددة ضدهم

فحتى المستعمرين لمصر كانوا حريصين على عدم إثارة مشاعر المصريين الدينية والتدخل فيها، بل سعوا للتقرُّب من المصريين عبر احترامهم لآلهة المصريين السائدة؛ فالإسكندر الأكبر عندما غزا مصر ذهب إلى معبد آمون، وطلب أن يصبح فرعونًا، ونادى به كهنة آمون ابنًا للألهة، حتى يضمن ولاء المصريين له، وسار على دربه الملك قمبيز ملك الفرس، فتسمى بالألقاب المصرية القديمة مثل ملك الشمال والجنوب وابن رع، واتخذ لنفسه لقب حورس موحد الأرضين، وكذلك فعل الرومان في بادئ الأمر، عندما تركوا للمصريين حرية العقيدة، وعاملوهم في هذه الناحية باللين، فلم يتدخلوا أو يحدوا من حرية المعتقدات المصرية، وعلى هذا المسار وبهذه الطريقة تعامل الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص عندما دخل مصر وترك للمصريين حرية المعتقد.

  

ولذلك يُرجع العديد من المؤرخين استقرار الأوضاع الاجتماعية والدينية والسياسية في مصر القديمة إلى إدراك النظام السياسي لمجالات اختصاصه، وبعده عن التدخل من قريب أو بعيد في قسر الناس على فهم محدَّد للدين، أو دعمه لعقيدة ما دون غيرها.

   

خطأ أخناتون

وعندما كان النظام السياسي يتخلى عن هذه الطريقة في التعامل مع معتقدات المصريين، ويبدأ في التدخل وإجبار الناس على ترك معتقد معين واتباع نمط تدين آخر؛ كانت تبدأ القلاقل الاجتماعية والاضطرابات الدينية والانقسامات المجتمعية الحادة، التي تهدد وحدة الإقليم المصري وسلامته، فتجربة الملك أخناتون في الأسرة الثامنة عشرة، الذى تخلى عن تعدد الآلهة المصرية التقليدية، وأدخل على المصريين دينًا جديدًا، هو عبادة الإله آتون دون غيره من الألهة المتعددة، وحاول دفع المجتمع ورجال الدين نحو مفارقة الدين التقليدي الموروث واتباع الدين الجديد – هذه التجربة نجم عنها العديد من المشاكل الاجتماعية والاضطرابات السياسية والثقافية فترة حكم أخناتون، بل امتدت بعد وفاته، ثم استعادت بعد ذلك المؤسسة الدينية القديمة ( الكهنة) نمط التدين التقليدي، ونتيجة انشغال أخناتون بإحداث ثورة دينية إصلاحية ونشر أنوار دينه الجديد على ربوع مصر المحروسة من شمالها إلى جنوبها خسرت مصر سلطانها في الشق الأسيوي، وضعفت الدولة المصرية بشكل كبير، ويرجع ذلك لتخلى النظام السياسي ساعتها عن الخيط الناظم الذى يفصل ما بين مساحات عمل القصر واختصاصات عمل الكهنة والمؤسسة الدينية ومهام الجنود والمقاتلين.

  

الرومان

وقد وقع الحكام الرومان المحتلين لمصر في العصر الروماني في الخطأ نفسه عندما حاولوا فرض التصور المسيحي الروماني على المسيحيين المصريين، وأدى ذلك لثورات مصرية متعددة ضدهم في طول البلد وعرضها، ووقع الحدث التاريخي المؤلم، وهو ما يُسمى في التاريخ المصري المسيحي القديم بـ (عصر الشهداء)، وبناء على ما تقدم من استعراضنا لدرس التاريخ يتكشف لنا التالي:

أولًا: كل دعوة إصلاح دينية تخرج من القصر تخاطب المجتمع بضرورة الثورة الدينية لا يكتب لها النجاح، وينتج عنها أضرار كبيرة تهدد وحدة النسيج الاجتماعي المصري وسلامته وتماسكه.

 

ثانيًا: كل دعوات الإصلاح الديني الصادرة من القصر تواجه أزمة مصداقية وتشكيك من طرف المؤسسات الدينية وجماهيرها؛ لأنها تعتبرها تدخل في شؤونها الخاصة، وتحريض من السلطة السياسية للجماهير للثورة على الثوابت المُقَدَّسة والراسخة المتَّبعة.

 

ثالثًا: الإصلاح الديني الناجح في التجربة المصرية والعالمية عادة يبدأ من أسفل إلى أعلى، وليس من القمة، حيث يتولَّى أمره ثلة من العلماء والمُصلحين النابهين من داخل المؤسسات الدينية بعيدًا عن الضغط السياسي والتنازع الحزبي والمصالح السياسية الضيقة والمعارك الأيديولوجية الحادة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة